إن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتقال رئيس دولة ذات سيادة، ونقله قسرا إلى خارج بلاده، ليس مجرد حدث عابر، بل هو دليل صارخ على طبيعة العالم الذي نعيش فيه اليوم، إنه عالم لم تعد تحكمه القوانين الدولية، ولا المواثيق الأممية، بل تحكمه القوة المجردة، ومنطق الغلبة، وقانون الغابة.
هذا الحدث - وبغضِّ النظر عن الموقف من النظام الفنزويلي نفسه - يؤكد حقيقة بات من الغباء تجاهلها، وعلى حكامنا في بلاد العرب والمسلمين أن لا يتجاهلوها: لا أحد منكم آمن على كرسيه، وحتى وإن استبعدنا التهديد الداخلي.
لا أحد منكم آمن على كرسيه أو على بلده، إن لم يكن جزءا من تكتل واسع قادر على الردع والحماية. وهذا بالضبط ما نفتقده في بلاد العرب والمسلمين.
منذ مدة وأنا أكتب عن ضرورة تشكيل حلف إسلامي واسع، وها هي الأحداث المتسارعة، إقليميا ودوليا، تعيد وجاهة هذا الطرح.
إن تشكيل حلف إسلامي قوي يمر - في تقديري - عبر بوابة اليمن واستغلال اللحظة الحالية، حيث تتوفر فرصة تاريخية للمملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية لاستغلال اللحظة الحالية، فتعملان بجد على تجاوز خلافهما، ووقف الحرب في اليمن، والسير نحو حل توافقي جامع، يعيد توحيد اليمن في ظل دولة تتسع لكل الأطراف المتصارعة، دون إقصاء ولا ثأر ولا وصاية خارجية.
إن نجاح السعودية وإيران في "الاختبار اليمني" لن يكون إنجازا لصالح اليمن فقط، بل إنه يمكن أن يشكل نقطة تحول استراتيجية في تاريخ المنطقة، ومدخلا طبيعيًا لبناء ثقة إقليمية تُمهِّد لتأسيس حلف إسلامي دعوتُ له في أكثر من مقال سابق.
أذكر أني في مقال من تلك المقالات، طرحتُ السؤال التالي: هل من مخرج من واقع الهوان الذي نتخبط فيه اليوم عربا ومسلمين؟
وكان من إجابتي على هذا السؤال أننا اليوم في بلاد العرب والمسلمين أمام لحظة تاريخية فارقة. صحيح أننا مررنا سابقا بلحظات مشابهة، ولم نُحسن قراءتها، لكن هذه اللحظة تختلف؛ لأنها لم تعد تسمح بالمزيد من الغفلة أو التردد.
إنها لحظة مفصلية تفرض علينا، وبشكل حاسم، إعادة النظر في تحالفاتنا، وفي صداقاتنا، وفي أسس أمننا القومي.
لقد جرَّبنا في بلاد العرب والمسلمين نظام عالم القطبين قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، وكنّا فيه الخاسر الأكبر. وجَّه بعض قادتنا وجهه شطر الاتحاد السوفيتي، فخذلهم في ساعة الضيق، ويمكن لمن شاء أن يسأل مصر والعراق وسوريا وليبيا، بل وإيران نفسها في حرب الاثني عشر يوما مع العدو الصهيوني.
ثم جرَّبنا بعد ذلك نظام القطب الواحد، ووجَّه أكثر قادتنا وجهه شطر الولايات المتحدة في عهد القطبين والقطب الواحد، فاكتشفوا - مرارا وتكرارا - أن واشنطن لن تتردد في أي لحظة بالتضحية بكل العرب والمسلمين، قادة وشعوبا، إذا ما تعارضت مصالحهم مع مصالحها، أو مع مصلحة الكيان الصهيوني.
وقد تجلّت هذه الحقيقة بأوضح صورها مع عودة دونالد ترامب إلى الحكم في مأمورية ثانية، حيث عادت السياسة الخارجية لآمريكا إلى أكثر أشكالها فجاجة وتوحشا وعنجهية.
ومما يزيد من خطورة الأمر، أن المؤسسات العربية والإسلامية والدولية القائمة حاليا، هي مؤسسات منتهية الصلاحية، بل إنها في حالة موت سريري منذ فترة، ولم يعد بإمكانها أن تلعب أي دور لحماية أي بلد من البلدان العربية والإسلامية. فلا أمل يُرجى من الجامعة العربية، ولا من منظمة التعاون الإسلامي، بعد أن تحوَّلتا إلى هياكل فارغة. ولا أمل يرجى كذلك من الأمم المتحدة وهيئاتها، وذلك بعد أن فضحتها حرب الإبادة في غزة، وكشفت شللها وعجزها، وسيكشف المزيد من شللها اختطاف رئيس فنزويلا في يومنا هذا.
ومع أفول فعالية النظام الدولي القديم، فإن العالم يتجه - على الأرجح - نحو نظام متعدد الأقطاب، لا قطبا واحدا ولا قطبين. وهذا الواقع الجديد يفرض علينا، عربا ومسلمين، أن نعمل بجد على تأسيس قطب إسلامي خاص بنا، يحمي مصالحنا ويدافع عن قضايا أمتنا، وكل مقومات هذا القطب متوفرة عندنا بالفعل، فعسكريا، هناك باكستان بسلاحها النووي، وهناك إيران التي أثبتت مؤخرا قدرتها على مواجهة الكيان الصهيوني، وهناك دول إسلامية أخرى تمتلك قدرات عسكرية معتبرة. واقتصاديا، فإن هناك دولا عربية وإسلامية عديدة تمتلك اقتصادات قوية، وموارد مالية هائلة، وأسواقا بشرية كبيرة.
لقد بات التفكير في تأسيس حلف إسلامي قوي أمرا ملحا لا يحتمل التأجيل. حلف يمكن أن تتشكل نواته الأولى من السعودية، وباكستان، وإيران، وتركيا، ومصر، (وقطر التي تعرضت منذ فترة قريبة لقصف من العدو الصهيوني دون أن تحرك أمريكا ساكنا رغم وجود قاعدة عسكرية لها هناك)، على أن يتوسع هذا الحلف بعد ذلك ليشمل بقية الدول العربية والإسلامية.
بحلف كهذا، سيكون بإمكاننا أن نحمي بلاد العرب والمسلمين من أي اعتداء خارجي، وبحلف كهذا، سيكون بإمكاننا أن نحل مشاكلنا دون استجداء هذه القوة العظمى أو تلك، وبحلف كهذا، سيكون بإمكاننا أن نحمي قيمنا ومصالحنا في عالم لا يحترم إلا الأقوياء. بل، وأكثر من ذلك، فبحلف كهذا سيكون بإمكاننا أن نحرر فلسطين. غير أن تأسيس نواة هذا الحلف لا يمكن أن يتم بالشعارات وحدها، بل يتطلب خطوات تمهيدية جريئة ومطمئنة، في مقدمتها.
أولا:
أن تعتذر الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن تدخلاتها السابقة في بعض الدول العربية، وأن تلتزم التزاما واضحا وقويا بالتخلي نهائيا عن أي وصاية على الشيعة خارج حدودها، وألا تعمل مستقبلا - تحت أي ظرف - على تحريك الشيعة في بعض البلدان العربية والإسلامية لخدمة مصالح أو نفوذ خارج حدودها، على حساب دول عربية وإسلامية أخرى.
ثانيا:
أن تُوقِف المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج سياسة ضخّ الأموال الطائلة في جيوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ ليس من الحكمة وضع كل البيض في سلة واحدة، خاصة إذا كان صاحب تلك السلة رئيسا معروفا بتقلب المزاج، على أن تُوجَّه هذه الأموال لتعزيز مكانة الحلف الإسلامي المنتظر، أو لدعم الدول الإسلامية المحتاجة.
ثالثا:
أن تُقدِم مصر وتركيا وقطر - وبشكل متزامن - على قطع علاقاتها الدبلوماسية مع العدو الصهيوني، وأن تفتح مصر حدودها لكسر الحصار، لأن أي حلف يُراد له أن يحظى بالشرعية الشعبية والأخلاقية لا يمكن أن يُبنى في ظل علاقات طبيعية مع كيان مغتصب.
إنني أقدِّم هذا المقترح إلى القادة العرب والمسلمين، وأنا أعلم مسبقا أن الغالبية الساحقة من الشعوب العربية والإسلامية باتت ترى في مقترح كهذا، مجرد تضييع للوقت والجهد، وذلك بعد أن فقدت الثقة في أن يُقدم قادتها على عمل جاد لصالحهم، ولصالح بلدانهم، ولصالح الأمتين: العربية والإسلامية.
نعم، لقد بلغ اليأس هذا المستوى، وربما أكثر، ومع ذلك، يبقى الأمل قائما - حتى ولو كان ضعيفا - في أن يجد هذا المقترح آذانا صاغية، وقلوبا واعية، وعقولا راجحة، تدرك أن استمرار القادة العرب والمسلمين في السير على نفس النهج لن يقود إلا إلى لمزيد من الهوان، وأن الخروج من هذا الهوان لا يمكن أن يتم إلا بخطوات شجاعة وجريئة تمهد لقيام حلف عربي إسلامي قادر على أن يحمي العرب والمسلمين في عالم لم تعد تحكمه إلا قوانين الغابة، عالم يمكن فيه لرئيس دولة أن يختطف رئيس دولة أخرى في أقل من ساعة، ثم يغرد في مواقع التواصل الاجتماعي مفتخرا بذلك.
حفظ الله بلاد العرب والمسلمين...
محمد الأمين الفاضل