الحوار
9 مارس 2025
عام مضى على التعهد
منذ إعلان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني عزمه إطلاق حوار وطني شامل، عاد النقاش بقوة داخل الساحة السياسية حول طبيعة هذا الحوار وأهدافه الحقيقية، وما إذا كان يمثل بالفعل لحظة تحول في الحياة السياسية، أم أنه مجرد آلية تقليدية لامتصاص التوتر السياسي.
ويوصف الحوار الوطني المرتقب بأنه شامل ولن يقصي أحداً ويهدف إلى إشراك مختلف الفاعلين في الساحة السياسية، ومن بينهم:
الأحزاب السياسية الموالية والمعارضة
شخصيات سياسية مستقلة
منظمات المجتمع المدني
نقابات وممثلون عن الفئات الاجتماعية
ويفترض أن يكون هذا الحوار منصة لمناقشة القضايا الكبرى التي تهم مستقبل البلاد، بعيداً عن الصراع السياسي الحاد.
وقد أكد الرئيس غزواني خلال لقاءاته مع شخصيات معارضة أنه لا يريد حواراً يخدم السلطة وحدها، بل حواراً يشارك فيه الجميع، وأن دوره سيكون إيجابياً دون التدخل في مجرياته.
ولفهم أبعاد هذا المشروع لا يكفي النظر إلى الحوار بوصفه مبادرة سياسية عادية، بل يجب وضعه في سياقه التاريخي والسياسي، وفي التحولات التي تشهدها موريتانيا داخلياً وإقليمياً.
أولاً: سياق سياسي يبحث عن توازن جديد
منذ وصول محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة عام 2019، حاول رسم صورة مختلفة لأسلوب الحكم مقارنة بالمرحلة السابقة من خلال سعيه إلى تخفيف الاحتقان السياسي وفتح قنوات تواصل مع مختلف الأطراف.
وقد تجلّى ذلك في عدة خطوات، منها:
لقاءات مباشرة مع قادة المعارضة
تهدئة الخطاب السياسي الرسمي
توسيع هامش الحوار مع الفاعلين السياسيين
لكن رغم هذا الانفتاح النسبي، ظلت الساحة السياسية تعاني من اختلالات بنيوية تتعلق بطبيعة النظام السياسي، وقواعد اللعبة الانتخابية، وتوازن القوى بين السلطة والمعارضة.
ومن هنا بدأ الحديث عن الحاجة إلى حوار سياسي شامل يعيد ترتيب قواعد العمل السياسي.
ثانياً: هل الحوار ضرورة سياسية أم خيار تكتيكي؟
يطرح بعض المحللين سؤالاً جوهرياً:
هل الحوار الذي يطرحه النظام اليوم نابع من قناعة إستراتيجية بالإصلاح السياسي، أم أنه تكتيك سياسي لإدارة المرحلة؟
هناك ثلاثة تفسيرات رئيسية لهذا التوجه:
1. تثبيت الاستقرار السياسي
موريتانيا تقع في منطقة الساحل المضطربة التي شهدت خلال السنوات الأخيرة عدة انقلابات عسكرية، أبرزها في:
مالي
بوركينا فاسو
النيجر
وفي ظل هذا السياق الإقليمي المتوتر، تحرص القيادة الموريتانية على تقديم البلاد كنموذج للاستقرار السياسي.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم الحوار كوسيلة لتعزيز الإجماع الوطني وإغلاق جبهات الصراع الداخلي.
2. إعادة هندسة المشهد السياسي
هناك من يرى أن الحوار قد يكون وسيلة لإعادة تنظيم الحقل السياسي في موريتانيا.
فالخريطة الحزبية تعاني من:
كثرة الأحزاب الصغيرة
ضعف البرامج السياسية
غياب أقطاب سياسية واضحة
وقد يتيح الحوار فرصة لإدخال إصلاحات في:
النظام الانتخابي
قانون الأحزاب
تمويل الحياة السياسية
وهي خطوات يمكن أن تعيد تشكيل المشهد السياسي على المدى المتوسط.
3. الاستعداد للمرحلة السياسية المقبلة
لا يمكن فصل الحوار عن الاستحقاقات السياسية المقبلة، خصوصاً الانتخابات الرئاسية القادمة.
فإطلاق حوار قبل هذه الاستحقاقات قد يسمح للنظام بـ:
تخفيف حدة المعارضة
إدماج بعض القوى السياسية في توافقات جديدة
تقليل احتمالات المقاطعة أو التصعيد السياسي
بمعنى آخر، قد يكون الحوار أيضاً أداة لإدارة الانتقال السياسي بهدوء.
ثالثاً: الملفات العميقة التي لا يمكن تجاوزها
رغم الحديث عن قضايا سياسية وتقنية مثل الانتخابات والإعلام، فإن هناك ملفات أكثر حساسية ستفرض نفسها على أي حوار جاد.
1. مسألة الحكامة ومحاربة الفساد
يُنتظر أن يتناول الحوار كذلك قضايا تتعلق بالحكامة الرشيدة، ومنها:
الشفافية في تسيير المال العام
إصلاح الإدارة
تعزيز آليات مكافحة الفساد
وتأتي هذه النقاط في ظل مطالب شعبية متزايدة بتحسين أداء المؤسسات وتعزيز المساءلة.
ويعد ملف الفساد أحد الملفات الثقيلة في الحياة السياسية بالبلد وهذا الملف يطرح أسئلة حساسة:
هل يمكن الفصل بين العدالة والتسويات السياسية؟
هل سيؤثر الحوار على مسار مكافحة الفساد؟
هذه الأسئلة تجعل من ملف العدالة أحد أكثر القضايا تعقيداً في الحوار المرتقب.
2. الحريات العامة والإعلام
من الملفات التي يُتوقع طرحها أيضاً:
توسيع هامش الحريات السياسية وعدم التضييق ومراجعة قانون الرموز
إصلاح المنظومة الإعلامية
ضمان وصول المعارضة إلى وسائل الإعلام الرسمية.
3. مسألة الهوية والوحدة الوطنية
تظل قضايا الهوية واللغة والعدالة الاجتماعية من أكثر الملفات حساسية في موريتانيا.
فالبلاد تضم مكونات اجتماعية وثقافية متعددة، وقد شهدت تاريخياً نقاشات حادة حول:
اللغة والتعليم
التمثيل السياسي
تعزيز الوحدة الوطنية
معالجة الإرث الإنساني
العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين
وهي قضايا يعتبرها كثير من القوى السياسية أساسية لبناء استقرار دائم في البلاد.، ولذا يجب أن يطرح بشجاعة ووضوح داخل الحوار.
4. طبيعة النظام السياسي
هناك نقاش غير معلن حول طبيعة النظام السياسي نفسه.
بعض القوى السياسية ترى أن النظام الرئاسي في موريتانيا يمنح صلاحيات واسعة جداً للرئيس، وتطالب بإصلاحات تعزز التوازن بين السلطات.
وقد يطرح الحوار أسئلة مثل:
هل يحتاج النظام السياسي إلى تعديل دستوري؟
هل يجب تعزيز صلاحيات البرلمان؟
كيف يمكن ضمان استقلال القضاء؟\
رابعاً: العقبة الكبرى - أزمة الثقة
أكبر تحدٍ أمام الحوار ليس سياسياً أو قانونياً، بل هو أزمة الثقة.
فالمعارضة تخشى من تكرار تجربة حوارات سابقة انتهت دون تنفيذ فعلي لمخرجاتها.
بينما تخشى السلطة من أن يتحول الحوار إلى منصة لمهاجمة النظام أو إضعافه سياسياً.
وبين هذين التخوفين، يصبح نجاح الحوار مرتبطاً بثلاثة شروط أساسية:
وضوح جدول الأعمال
ضمان تنفيذ المخرجات
وجود وسيط أو آلية تحكيم موثوقة
خامساً: السيناريوهات المحتملة للحوار
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمآلات الحوار.
السيناريو الأول: حوار ناجح
يتوصل الأطراف إلى توافقات حقيقية حول إصلاحات سياسية، مما يعزز الاستقرار ويؤسس لمرحلة سياسية جديدة.
السيناريو الثاني: حوار شكلي
يُعقد الحوار دون نتائج جوهرية، ويصبح مجرد حدث سياسي عابر.
السيناريو الثالث: فشل الحوار
إذا قاطعته قوى سياسية مؤثرة أو تعثرت مخرجاته، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة التوتر السياسي.
وتخلص في النهاية إلى أن الحوار الذي يعتزم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إطلاقه ليس مجرد مبادرة سياسية عادية، بل هو اختبار حقيقي لقدرة النظام السياسي في البلد على تجديد نفسه من الداخل.
فإما أن يتحول هذا الحوار إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وإما أن يظل حلقة جديدة في سلسلة الحوارات التي لم تغيّر الكثير في الواقع السياسي.
ويبقى السؤال الأهم:
هل تملك الطبقة السياسية الموريتانية الشجاعة الكافية لتحويل الحوار من مناسبة سياسية إلى منعطف تاريخي؟
كامل الود
سيد محمد