من سنن الحياة التي نراها جميعاً أن الأشياء لا تبقى دائماً في حالة اتساع؛

من سنن الحياة التي نراها جميعاً أن الأشياء لا تبقى دائماً في حالة اتساع؛
فبعد السعة قد يأتي الضيق، وبعد البسط قد يأتي القبض.
وهذه ليست مصادفات عشوائية في حياة الناس، بل هي جزء من تدبير الله للكون والإنسان.

ومن هنا يظهر معنى اسم عظيم من أسماء الله الحسنى: القابض.

فالله سبحانه هو الذي يقبض بحكمته كما يبسط برحمته يقبض الأرزاق أحياناً، ويقبض الأرواح عند انتهاء الآجال، وقد يقبض القلوب ليوقظها بعد غفلة.

قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

وإذا تأملنا هذا الاسم وجدنا أنه يصحح كثيراً من فهمنا لمعنى الضيق والمنع في الحياة.

1. القبض أحياناً يكون حماية

ليس كل ضيق في الرزق علامة حرمان، فقد يقبض الله الرزق عن عبدٍ لأنه يعلم أن اتساعه قد يفسد قلبه أو يجره إلى الطغيان.

كم من إنسان لو فُتحت له أبواب المال أو الجاه لضاعت عليه دنياه وآخرته.

ولهذا قد يكون المنع أحياناً رحمة خفية، وقد يكون الضيق باباً لحفظ الإنسان من فتنة لا يطيقها.

2. القبض يذكّر الإنسان بحقيقة الحياة

ومن معاني اسم القابض أنه سبحانه يقبض الأرواح عند انتهاء الأجل. وهذا المعنى يوقظ القلب من الغفلة؛ فالحياة ليست إقامة دائمة، بل رحلة قصيرة تنتهي في لحظة يعلمها الله وحده.

وحين يستحضر الإنسان هذا المعنى، يحرص أن يملأ أيامه بما ينفعه، قبل أن يأتي يومٌ لا يستطيع فيه زيادة عملٍ ولا تصحيح تقصير.

3. قبض القلوب مدرسة للتزكية

قد يمر الإنسان أحياناً بحالة من الضيق في صدره أو فتور في قلبه. وهنا يظهر معنى آخر من معاني القبض.

فقد يقبض الله قلب العبد قليلاً ليوقظه من غفلته، ويعيده إلى الدعاء والذكر والاستغفار.

فالضيق الذي يدفع الإنسان إلى الله خيرٌ من سعةٍ تبعده عنه.

4. الإيمان بالقابض يورث الرضا

حين يدرك المؤمن أن الله هو القابض، فإنه لا يفسّر كل ضيق يمر به تفسيراً مادياً فقط.

بل يعلم أن وراء ذلك حكمة قد لا تظهر له فوراً. وهذا الفهم يمنح القلب طمأنينة؛ فيتقبل أقدار الله برضا، ويثق أن تدبير الله لعباده قائم على العلم والرحمة.

خلاصة
اسم الله القابض يعلّمنا أن الضيق ليس دائماً شراً، وأن المنع قد يكون أحياناً نوعاً من العطاء. فالله يقبض بحكمته، ويبسط برحمته.

وبين القبض والبسط تتربى قلوب المؤمنين على الثقة بالله والرضا بأقداره.

اللهم يا قابض، يا باسط، اقبض قلوبنا عن المعصية، وابسطها بطاعتك، واجعل ضيق دنيانا سعةً في آخرتنا.

[في رحاب الأسماء الحسنى - 20 - القابض]

د. عبد الكريم بكار