جدو ولد خطري يكتب /أَتْنَسْفِي

أَتْنَسْفِي

للصيف في البادية وجهان: جمال قاسٍ، وصبر أقسى. رياح "إِريفي" من الشرق و شمال الشرقي تذيب الظلال وتجعل الماء أمنية. هذا العام، احترقت المراعي قرب مصايف القطعان. حرائق من غفلة لا من سماء. مصدات او الخطوط الواقية من الحرائق – أو ما يسمى محليا "الدبابات" – شيدت قبل مواسم، لكنها لم تكتمل، أو كُملت ثم لم تُصان. واليوم، أصبح الحشيش الجاف يطل من بين ثناياها كاللسان الساخريشهد على تقصير، والمياه شحيحة. عند "مجهر لحْسيْ لبيظ" حيث "إِوْلِيگَنْ" – وهو خير من مجهر "الدخله" حيث  "مجاهر تِلِماسْ" – بينما آبار "أَجَلاَيْ" أكثر ماء لكنها في بطحاء احترقت. فكان "لعزيب" أو "أَلْكَرصْ" في منطقة كثيفة الأشجار. تحت ظل "أَگَيْل من أزگلم": خنشات من علف "الكسرة" و"لمبيريم"، وكيس أرز وشاي مكدسة و " أَمصرْ" به سكر و خنشة بها ” آولِيل " من "فارين "الكل مكدس عند جذع " أزگلماي " و مغطى  بحصيرة  من البلاستيك فوقها فأس حديدي وجركان " مجلد " ونصف برميل (مطراح) تبدو عليه علامة Shell – كثقل يحمي الحصيرة من الريح – تفرش ليلاً وتغطي المتاع نهاراً. وعلى شجرة "أيْزِن"، قنينة دهن يعلوها النمل "مريرة من الكوص". تحتها قربة ماء "تَيْگطْ" وتحتها "زلافة" بداخلها برق شاي كان أحمر اللون وكأس من (8). وجوارها قدر أسود "آگدُورْ" مقلوب خوفاً من أن يلقه كلب، وإلى جانبه "نَبلُّو" أو "مرفع" بجانبه " جالوطه " لجمع الجمر . ومن جهة، "تمبصكاي" عليه "محلاب" و"مرقاي"، وخلفهما "شاريت" تحت ظله بيدونا (جركانان) ماء صفراوان وآخر خمس لترات " مجلد" و مبلل بالماء " مرشوش ". ورعاة يتفرجون.

في الربيع، لدغت حية ( لَفعة) نعجة "عمشة برمامته" – تدعى "أم رمامه" – في ثديها قبل الولادة. فجاء خروف أسود الرأس أبيض الجسد، سموه "لمسيليع": الشره الذي لا يشبع. الثدي فارغ كصكوك الأمل التي لا تدفع. بيعت "أم رمامه" في "بيعة العيد" ضمن الأكباش، بالدين لتجار السنغال – "أجلابه" – يحل الدين في "أوگوف البريگة". هذا العام، الفرنك الإفريقي مرتفع، فارق الصرف يبشّر بربح وهمي، لكن الأعلاف غالية كالنار. بسبب أزمة مالي التي أغلقت الحدود الشرقية، ومضيق هرمز الذي رفع القمح، صار الكيلو بألف أمنية. التجار يحسبون، والربح يذوب قبل أن ينعقد. كل شيء معقّد: يُباع الخروف بدين، ويُشترى العلف بنقد، والفرق يلتهمه الطريق ،رباه الراعي بالقدح (أگبظ لگْدح) و رضاعة بعض النعاج فلما كبر، بدأ "إِينَسْفِي" – يرضع النعاج من الخلف. يندس حين تأكل "الحش" أو تشرب من الحوض، فيرتع من ضرع ليس له. صار يرتضع كل النعاج والمعز. قال المشرف "احمدطالب": الغنم هذا العام "أمعيده" – ولدت خريفاً وستلد صيفاً – والعلف غالٍ، والمرضعات تجهد ليُدرن اللبن، فيأتي هذا "المسيليع" فيسرقه. وقال راعي القطيع الثاني "الوالد": آفة "أتنسفي". حلها "تاضرسة" وهي عود من "تيشط" أو من شجرة "إِيمِجِيج" محدد الحواف يوضع في الفم، أو يذبح لأول ضيف، أو يباع في السوق. ثم همس: "لا يفرق بين حلال وحرام. يظن أن الضرع مغنم. هذا فساد."

أما المغزى – وهو ما يشير إليه العاقل وينتبه له اللبيب – فحدث عنه ولا حرج. في كل قطيع، حين تنشغل الأمهات بالأكل أو تزاحمها على الماء، يظهر من يعرف أن الأنظار مشغولة، وأن الخلف ليس مراقباً. لا يعلن نفسه، فقط يختار اللحظة. من الخلف طبعاً. هو نفسه كان أمس يتيماً، رُبي بالقدح على حساب الجياع. فلما شبّ، قال: "اللبن لمن انتهز، والضرع لمن أمسك". ووجد من يصفق: "دهاء". ووجد من يبرر: "ظروفه". ووجد من يسكت خوفاً. وهنا يأتي دور من لا يأتي: الراعي الذي لا يضع "التاضرسة" في الوقت المناسب، العين التي لا تراقب إلا الأكباش السائبة، والعصا التي لا تضرب إلا لتجمع لا لتربي. فالخروف لا يُولد "مسيليعاً"، لكنه يصبح كذلك حين يرى أن الالتفاف لا يعاقب، وأن الرضاع من الخلف لا يُقطع إلا إذا شكا الضعيف. فإذا نجا من "التاضرسة" ومن سكين الضيف ومن السوق، تتعلم البقية أن الطريق إلى اللبن ليس من الأمام. فتصبح "أتنسفي" منهجاً، والالتفاف مهارة، والسرقة فطنة، والراعي مشغولاً بإحصاء الخراف لا بمراقبة الضروع. وينتهي المرعى ولا يبقى ضرع يسلم. ليس لأن النعاج بخيلة، بل لأنها تنشغل بالأكل والشرب، وتظن أن الخطر يأتي دائماً من باب القطيع. وللذئب باب واحد. أما "للمسيليع" فبابه: أن لا أحد يغلق باباً. والباب الآخر الذي لا يُذكر: أن العقاب إذا تأخر صار عادة، والتربية إذا غابت صار "أتنسفي" سنة.

خرجنا من "لعزيب" وقد رأينا كيف يولد "التنسفي". قلت لصاحبي: الحية ليست سوى غطاء. الباب الموارب هو ما يعلم الخروف أن الرضاع من الخلف طريق. قال: والرعاة يحصون ما في الضروع لا من يرتضعها. قلت: أو يتعلمون "التنسفي" أيضاً. فابتسم وأطرق، والإطراق أحياناً تصديق. النعاج تأكل وتشرب، و"المسيليع" يِينَسْفي من خلفها. لم يعد يختبئ، بل صار "التنسفي" عادة. والذئب ليس عدواً هنا. فالقطيع ينهكه من داخله من لا يشبه الذئب. وإذا سألت: كيف نوقف "التنسفي"؟ فالجواب في السؤال نفسه: من يوقف شيئاً صار سنة؟ وما دام الخروف " إينسفي "، فالباب لا يهم. هو لا يدخل منه أصلاً.