مهرجان المعارضة واللامبالاة الصامتة/محمد فال بلال

اللامبالاة الصامتة
اعتاد كثير من المحللين والسياسيين أن يقيسوا نجاح المهرجانات والمسيرات بحجم الحشود التي تملأ الساحات، حتى أصبح المشهد الجماهيري عند البعض هو المعيار الوحيد للحضور السياسي والتأثير الشعبي. لكن هذا القياس، رغم شيوعه، ليس دائمًا دقيقًا، خصوصًا في مجتمعات لها سماتها الثقافية مثل موريتانيا، حيث لا يتجلى الرفض دائمًا في الاحتجاجات والمسيرات، بل قد يظهر أحيانًا في العزوف والابتعاد وملازمة الناس لبيوتهم. ولهذا ظل الموريتانيون يرددون المثل الشعبي العميق: “لگْدَمْ ما إكذّب”، أي إن حركة الناس مؤشر حقيقي على القبول أو النفور. حين يفقد الموريتاني رضاه، فإنه في الغالب لا يندفع إلى الشارع، بل يهجره، وكأن الغياب نفسه يتحول إلى موقف سياسي ورسالة صامتة.
ومن هنا فإن قراءة أي مهرجان سياسي من زاوية عدد الحاضرين فقط تبدو قراءة ناقصة. فالذين حضروا مهرجان المعارضة - مثلًا - عبّروا بطريقتهم عن تأييدهم لخطابها أو رغبتهم في دعمها، لكن الذين لم يحضروا لا يمكن تلقائيًا اعتبارهم مؤيدين للسلطة؛ فقد يكون غيابهم تعبيرًا عن رفض أوسع يشمل الجميع: سلطةً ومعارضة. وقد يكون موقفهم نابعًا من شعور بالإحباط، أو من قناعة بأن الصراع السياسي لم يعد يمس همومهم اليومية، أو من فقدان الثقة في قدرة أي طرف على إحداث تغيير حقيقي.
وفي الواقع، فإن أخطر ما قد تواجهه الحياة السياسية ليس المشاركة في صخب الشارع، بل اللامبالاة الصامتة. فالجماهير التي تخرج إلى الشارع ما تزال تؤمن بالفعل السياسي وتحاول التأثير فيه، أما الجماهير المنسحبة فقد تكون وصلت إلى مرحلة فقدان الأمل، وهي مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة على أي نظام سياسي أو معارضة سياسية.
وفي كل الأحوال، فإن صورة الساحات قد تخدع السياسيين إذا ظنوا أنها تعني بالضرورة رضا شعبيا شاملا أو رفضا كاملا.
لقد شهد المجتمع الموريتاني خلال السنوات الأخيرة تحولات واضحة، خصوصًا مع بروز أجيال جديدة باتت تعتمد أساليب مختلفة في التعبير عن مواقفها، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو النقاشات العامة أو النقد المباشر. وهذا يعني أن المزاج الشعبي لم يعد يُقرأ فقط من خلال المسيرات والمهرجانات، بل من خلال مؤشرات متعددة، أهمها مستوى الثقة العامة، وحجم التفاعل الحقيقي، وقدرة الخطاب السياسي على إقناع الناس لا مجرد جمعهم.
إن السياسة ليست مجرد سباق نحو الحشود، بل هي بناء للثقة والأمل. والناس لا يخرجون دائمًا حين يغضبون، كما لا يصفقون دائمًا حين يقتنعون. ففي مجتمعات كثيرة، ومنها موريتانيا، قد يكون الصمت أحيانًا أعلى صوتًا من الهتاف، وقد يكون الغياب موقفًا سياسيًا كامل الدلالة.