الأديب والعلامة الشيخ إبراهيم ولد باب ولد الشيخ سيديا رحمه الله، اسم كبير في تاريخ الأدب والثقافة الموريتانية، وصاحب مكانة علمية وأدبية معروفة عند أهل المعرفة والمهتمين بالتراث.
ومهما اختلف الناس حول القضايا الأسرية والقضائية، فإن ذلك لا ينقص من قيمة الرجل، ولا من أثره في الأدب والعلم، فالتاريخ يُنصف أصحاب البصمة، وأهل الفضل تبقى مكانتهم محفوظة في الذاكرة الثقافية والوطنية.
رحم الله الشيخ إبراهيم ولد باب ولد الشيخ سيديا، وحفظ للناس ألسنتهم عن الخوض في الأعراض والطعن في الرموز دون علم .
يُروى أن الأديب الشاعر فتى زمانه الشيخ إبراهيم ولد باب ولد الشيخ سيديا رحمه الله، ساقته أسفار الزمن ورحلات الحياة بعيدًا عن مرابع الصبا ومجالس الأهل في “آمشتيل”، حتى انتهى به المطاف إلى “النواره” في شمال مالي، وهناك أنشد بيتيه الشهيرين اللذين ظلّا يترددان على الألسن كلما دارت الأيام بالإنسان حيث لا يحتسب:
إنَّ للدهرِ إنْ تأمَّلتَ صرفًا =:= يُكسبُ المرءَ حكمةً واعتبارَا
ها أنا اليومَ بالنوارِ مقيمٌ =:= أيُّ عهدٍ بيني وبينَ النوارَا
فلما بلغ البيتان والده العلامة باب ولد الشيخ سيديا رحمه الله، علّق بكلمته المشهورة:
“ألا أثرو طول ارجل”.
ثم جاء جواب العلامة أبومدين بن الشيخ أحمدو رحمه الله، فكان قطعة أدبية تفيض بروح الفتوة والصبر على وعثاء الأسفار، والدعوة إلى مجاراة الرفاق وتحمل تقلبات الدهر:
صاحَ شمِّرْ واصحبْ ذَميلَ المهارا =:= تذرعِ البيدَ ليلَها والنهارا
غائراتِ العيونِ معصوصباتٍ =:= جائلاتٍ أنساعُها تتبارى
لا تكنْ واهنًا كدأبِ العذارى =:= خالعًا في ديارهنَّ العِذارا
جدَّ في السيرِ كي تنالَ خليلًا =:= لم تجدْ بعد أن تولّى قرارَا
إنَّ ركبًا لدى النوارِ مقيمًا =:= هاجَ للقلبِ لوعةً وادِّكارَا
سوف تُدني ركبَ الخليلِ أمونٌ =:= من بناتِ الجديلِ ما إن تُبارَى
قد رعتْ سلجمًا وأرطى وطلحًا =:= بلوى قارحٍ فخطَّ الشقارا
فالميامنُ تارةً فِرشانٌ =:= فالكناوينُ فالنقى من أنارا
إنَّ مُكثي بعدَ الخليلِ لعارٌ =:= لم أجدْ فيه للعذولِ اعتذارَا
إنما الخلُّ من إذا سارَ خِلٌّ =:= صارَ يقفوه أينما سارَ سارا
لكنَّ المرءَ مثلُ ما قيلَ قديمًا =:= حيثُ دارتْ به المقاديرُ دارا
وقد ترجم الراحل جمال ولد الحسن رحمه الله هذا المعنى في “گاف” حَسّاني بالغ الرقة والعذوبة:
يعگبْ بعدْ الحادثْ يگبل =:= عنُ لعگوبَ جاهلتُو
هذَا آنَ نشربْ لبنْ البلْ =:= فعزيبْ أفسهوتْ تِيمْبُكْتُو
ثم مضت الأيام بإبراهيم ولد الشيخ سيديا إلى آفاق أبعد، حتى بلغ سيراليون، فأنشد مستحضرًا لوعة البعد وتقلبات الأسفار:
ثم بعدَ النوارِ جاءتْ صروفٌ =:= تركتنا بعدَ النوارِ حيارَى
في افريتاونَ ثم سيفادو كنَّا =:= في قُراها نمرُّ منها الديارَا
في جبالٍ شواهقٍ وغياضٍ =:= ورياضٍ مكسوَّةٍ أزهارَا
فعسى اللهُ أن يمنَّ بوصلٍ =:= بعدَ فصلٍ ويقضي الأوطارَا
ويعيدَ الزوارَ عودًا لبدءٍ =:= في أمانٍ يعمُّ تلك الزُّوارَا
إنها نصوص تختزل زمنًا كانت فيه الأسفار مدرسة، والرفقة قيمة، والصبر على تقلبات الدهر عنوانًا للفتوة الحقيقية