بين السفح والجبل/سيد محمد

بين السفح والجبل

استجابة لطلب الأخ سيدى محمد حمدي

في ربوع تگانت حيث الطلل الناطق بالشعر والشجو، وحيث الجمال و أكمام النخيل والقصر المشيد وحيث المتيم المعلل بالنسيم وبالنشيد.

​نمضي على خطى "ول آدبه" الخالدة، في رحلة يباركها الأثر، من جلال الرشيد ووجد أشوي، إلى سحر تيمجيجات والحرج، مرورا ب أم اطبول وأشاريم وتنيامن وأرج وإدوجن وانواشيد. وصولا إلى لحويطات، إلى تخوم المجرية، 
إلى الجبل الأشم "أشتف" الذي يرتفع 700م فوق سطح البحر، يرقب من عليائه انبيكه تلك الفاتنة التي ترقد في حنضه متباهية بموقعها الفريد الذي يعانق الكثبان الذهبية وشموخ السلسلة الجبلية، بجمالها الخلاب، وبواديها الأسطوري الجميل "تامورت أنعاج". 
وفي خزان "كانكارا" وحوض "مطماطا"، تتجلى روعة الطبيعة؛ حيث تسبح التماسيح في مياه انحدرت سيلا سلسبيلا من أعالي جبال تگانت لتسكن الوادي تحت أعين الجبل.

نمضي ​نحو "الواد لبيظ - للدندان"، حيث تحكي القصور والسهول والهضاب والبطاح حكايا المجد، وصولا إلى سبخة "أشاميم". 
ثم نوغل حتى أقصى جنوب آدرار، حيث تقف "ظلعة الشعرانية" على ضفة منخفض "الخط"؛ ذلك الفاصل الشاعري الذي يجمع آدرار وتگانت.

في هذه الربوع نبت الشعر على الطلل وتفتحت أكمام الموسيقى فتعانق النغم واللحن والكلمة.
قد يطلع الحجر الصغير براعما :: وتسيل منه جداول وظلال

​في ربوع تگانت، وبين أعوام 1860 و 1908، عاش الفتى الأديب محمد ولد ودّادي ربيع عمره الذي لم يتجاوز نيفا وأربعين، كان فيها صوتا شجيا يسكن جبالها وأوديتها. هناك، نبت في قلبه حب عذري لابنة عمه فاطمة بنت الحامد، فكانت له المنى والمبتغى، وتكلل الحب بذلك الرباط المقدس الذي جمع بينهما بميثاق غليظ، وبعد أن عقدها وقبل أن يدخل بها ذهب في رفگه عابرة للفيافي لجلب الميرة والمؤن، تاركا قلبه وحبيبته والحي عند الربع من سفح تِندَمكِ، على أمل العودة لقطف ثمار الحب.
وبعد عودة الرفگه لم يجد الحي في ربوع تندمك حيث تركهم.
وفي غمرة البحث، لاح له عند سفح الجبل ضريح وحيد، كأنه يرقب القادمين بأسى صامت، ​خفق قلبه، وقصده بخطوات مثقلة بالخوف، فكانت الفجيعة: حجر بارد نقش عليه اسم "فاطمة بنت الحامد".
​هناك، انكسر القلب، وترجل الأديب عن صهوة فرسه، ليودع من كانت للأرض جمالها وللروح سكنها، ووقف أمام ضريحها والكلمات تخرج من شغاف قلبه المحترق:
ألا فاربعنْ بالربع من سفح تندمكِ :: وفي كل ربع من مرابعها فابكِ
فنزراً به صونُ الدموع كأنه :: تَحَدّرُ منظوم الجمان من السلك
لئن كان في الأيام ملهى ومشتهى :: ففيها ، وإلا عدّ عنهن للنسك
لعل مُضاعَ العمر في اللهو والصبا :: يبَدله حسنا إلهك ذو الملك

ولم يدُر بخلد الفارس المكلوم وهو يريق لوعة الوجع فوق ضريح معشوقته الراحلة، أن ذلك الأسى المقفّى سيغدو نشيدا عابرا للأزمان.
حين يسافر على متن الصوت الذهبي لفنان الأجيال "سيداتي ولد آبه"، الذي سكبه في مسامع الدنيا شجنًا لا يبلى وحزناً لا يشيخ، رحم الله الجميع.

ومع شعراء تگانت تتجول بين باسقات من القوافي وارفات الظلال  ومن طيب شهي المجاني إلى أطيب..
يقول الشيخ أحمد ولد آدب:
أضر الشيء بالقلب العليل :: هديل الورق تهتف بالهديل
كذاك إذا يئل البرق وهنا :: فويل للعليل من الأليل

ويقول الداه ولد سيدي الأمين ولد أحمد الكنتي:
غرامي بالرحال على الجمال :: تحط لدى الخيام على الرمال
وانتظر القدوم لماء بئر :: سيقدم بالرواح أو الزوال
ولا سير السفائن في اشتعال :: ولا دور الضياء مع الزلال
وأذكر بالنحيب خيام قومي :: بأنحاء الرشيد على التلال
وأنحاء الأضاة فإن دمعي :: عليها اليوم منطلق العزال
تجوب بي النجائب وسط نجدي :: أشارم في اليمين وفي الشمال
إلى أم الطبول وكل هضب :: إلى وادي انكدي وذي السيال
سلامي والسلام له حروف :: بماء الدر تكتب للوصال

ولئن اتبعت سبب القصيد فسيوصلك إلي تخوم شمس المعاني حيث تجدها تطلع على قصائد تأوي من الجمال إلى ركن شديد..
يقول امحمد بن الطلبة الأباتي:
قد أيقظت دمن قفر مرابعها :: تليد ماضي الهوى ونائم الشجن
يا عين جودي بما قد كنت صائنة :: من الدموع على تذكار ذي الدمن
هذى منازلنا وذي منازلنا وتي :: منازلنا في سالف الزمن
العين فالنير فانجيلان يا عجبا:: صارت مراتع أهل البحر والسفن

وهي مواضع تقع  على ضفة منخفض "الخط" الفاصل بين آدرار وتگانت.

وله:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة :: بخيران إذ هضب الظباء حذائي
وهل ترين عيني لأﮔشط مرة :: وفي رمل ﻟﻌﮕﺎلي كان شفائي
بلاد بها قطعت نظم تمائمي :: وجربت فيها للشباب ردائي
ليالي يدعوني الهوى فأجيبه :: وحيث له أدعو أجاب دعائي

ونحن على ثنية الوداع نقف عند ربع عزة الشعراء محمد الأمين بن ختار الجكني رحمه الله.
لقد شاع عنه ولعه ب (لخصاره) بنت إچ ولد محمد محمود زعيم أولاد سيد الوافى من "كنته" وكانت بارعة الجمال يقول فيها وكانت من شحاح الغواني:
ألا ما (للخسارة) لا أراها  :: على قرب المكان ولا تراني
إذا طلب الشجي لها وصالا :: أبته باللسان وبالبنان
وكنت إذا طلبت لقاء ليلى :: وسلمى بالمراد أجابتاني

وله في أشاريم :
أشارم إن فيك لنا غراما :: وريما تستحق به احتراما
ونزهة جيرة ولذيذ عيش :: وعهدا لن يضار ولن يضاما

وله أيضا:
إذا حن مشتاق إلى أرض أهله :: فشوقي إلى أرضي تكانت أبرح
أحن إلى أرضي تكانت إنها :: أحب بلاد الله عندي وأملح
إذا زرتها قرت بها العين واعترى :: بها القلب شوقا لايزال يبرح
تذكرني عهد الصبابة والصبا :: وعهد شباب فيه قد كنت أسبح
فتلك بلاد بارك الله حولها :: ومسقط رأسي وهي للخير أرجح
إذا زرتها ترتاح نفسي من الأسى :: ويطرب قلبي في رباها ويمرح
تهب بها الأرواح من كل جانب :: فتصفوا بها الأرواح والهم يطرح
مسايلها خضر وشم جبالها :: وكثبانها من كل نبت توشح
وساكنها يحظى بأنعم عيشة :: يروح على ما يشتهيه ويصبح
فللعين في رياضها متنزه :: وللقلب تذكار وللنفس مسرح
وما هي إلا جنة عند أهلها :: على ظهرها باب المكارم يفتح
فنفسي لها ترتاح إن رمت زورها :: وقلبي لها دهري يسر ويفرح
ونجب الهوى إن أنت يممت أرضها :: سوابق في تعزائها وهي رزح
ولم أرى أرضا غيرها لي مسرحا :: ولكن حكم الله أقوى وأرجح
ولم أر في الأهلين أهلا كأهلها :: ذكاء؛ فهم أذكى وأسمى وأسمح
وبي من هواها ما أضن بشرحه:: وما كل شيء عز للناس يشرح
رشحت بما عندي لها من مودة :: وكل إناء بالذي فيه يرشح

وله في الرشيد:
فتى يمسي ويصبح في الرشيد :: يعلل بالنسيب وبالنشيد
وأكمام النخيل تريه زهوا ::على جنبات ذا القصر المشيد
يحن لأهله وفضول مال :: لعمر الله لم يك بالرشيد

ولئن امتلك الشعر الفصيح القدرة على وصف المشاعر والتعبير عما جاش في الخاطر فإن التعبير الأوفى كان للشعر الحساني (لغن) الذي ترجم بصدق وعمق أشجان البين والرحيل وتباريح الفقد والفراق، وهو ما نلمسه بوضوح في (نسيب) كبار المبدعين الذين أثروا هذا السجل الأدبي، مثل ولد آب وول الگصري وبقية العمالقة..

أدرت شريطا من الشيخ ولد آب رحمه الله

وطويت الدجى أسائل نفسي :: أبسيف أم وردة قد رماني

كامل الود