استراحة العيد:

استراحة العيد: 
لم يزل الناس في تكرورنا – حَرسه الله- مختلفين في شأن أزوان، فمنهم المغلّظ في شأنه، المنفّر منه، المتنكّب لمجالسه ولأهله، وكان المرابط محمدُ السالم ولد الشين من هذا الصنف، ففي بائيته التي كانت مقررة في المدارس: 
وربّاتُ المثالث والمثاني
تجنَّبْ، تُلْفَ ذا رأيٍ مصيبِ

ولا تصبُبْ بأذنك من رُصاصٍ
مذابٍ ويك في اليومِ العصيبِ

وله في بيان حكمه وأن ما ورد مما يفيد إباحته منسوخ: 
أفاد كنونُ في زجر وإقماعِ * عن آلة اللهو في الدنيا والاسماع 
أن المهذّب يومَ الفتح كان قضى * بكسر آلاتها طرا بإجماعِ
في ذلك النسخُ للآثار إذ وردَت * بالحلّ تشهد للتأخير للواعي  

ومنهم المستسهل لأمره، المخالط لأهله حدّ التهتُّك  والابتذال، وكأن الآخر نطق بحالهم فقال: 
اتْعَيْبْنِ هَوْنْ البِيظَانْ * بانِّي مَا وَقَّرْتْ الشَّيْبَهْ
وانِّ نِبْغِ هَوْل اَزَوَانْ * مَغْلاكْ اِعْلِيََّ يَعَيْبَه !

ومنهم المقتصد، الجامع بين الصّيانة والأدب، فأعطى المروءة حقها، والديانة حقها، ورأى في الخلاف سعة تتيح له الجمع. 
ولا أدل على ذلك مما احتفظت به الذاكرة من ثناء كبار العلماء على "شعّار" زمانهم، كثناء العلامة صالح بن عبد الوهّاب على محمد عبد الله الظباح ولد آوليل:
أقول وقول الحق يعلو لقد بدا * تقدّمُ عبد الله عن كل شاعر 
لئن كان في الألحان يزري بمعبدٍ * إذا رجّع الألحان عند المزامر 
ويزري بإسحاق النديم إذا شدا * ويزري به إن عَنَّ نشرُ الدفاترِ
وما من مغن ماهر في بلادنا * يكون كعبد الله في حكم ماهر  الخ

وكثناء سيدنا ولد الشيخ سيديا رحمه الله على فنّ حمّ ولد نِفْرُو:
سماء الأغاني كان طالعه نفرُ * وأنت الهلالُ المرتجى أنه بدرُ 
فلا زلتَ تحذو في الخلائق حذوه * فكاهتُه والشدوُ والنثر والشعرُ

ومن جيد شعر الفضلاء في الفنانين قول الشفيع بن المحبوبي في الشيخ سيد أحمد البكاي ولد عوّ : 
إن ابن عوَّ حباه مانح المنح * حسن الأغاني وحسن الخلق والملح 
تخاله إن شدا إسحاق مبتهجا * بأوبة الملك المأمون بالفرح
تزيل ألحانُه الألحانَ قاطبة *  كما تزيلُ النجومَ طلعةُ الوضح

وكقول يعقوب بن أبي مدين في سيدي ولد دندني: 
تقاصر أهل الشدو عن نجل دندنّي * فليس يحاكى نجل دندني في الفنِّ

وقد أورد المختار بن حامد، في كتاب المغنين أبياتا نسبها لشيخنا الشيخ المحفوظ بن بيه في البان ولد النانه أولها:  
كل القيانِ لدى شدوٍ وإنشادِ * عن رتبة البانِ في سُفْلٍ وإبعادِ

ولعل هذه الثنائية في الموقف من الفنّ هي التي تجسّدت في قصة الشريف بن الصبار وامحمد ولد أحمد يوره في مجلس فاطمة السالم منت الببان، فعبر الأول عن موقف المتحفظين فقال: 
لا تعجبوا من قيامي عن مغنية * إذا شدت قال ربات المزامر "كُم"
فقد يليق بكم ما لا يليق بنا * وقد يليقُ بنا ما لا يليقُ بكم 
ونطق امحمد بحال الفئة الأخرى: 
تكون لك الدنيا موعظَ كلُّها  * إذا أنت لم تحكم لها بالظواهر 
ومن كان ذا لبّ فسيان عنده  * نياح البواكي واصطكاك المزامر

ومعلوم أن كثيرا مما قاله بعض الفضلاء إبّان شبابهم، في "شعّار" زمانهم، كان من البر والمعاملة الحسنة والمودة لهم، بتشهيرهم وإعطائهم ما يتزينون به في مجالسهم، ولا يدلُّ معاذ الله على عكوفهم على مجالس اللهو، وما لا يليق بصيانتهم وديانتهم.            
وأختم هذه الاستراحة بأبيات من طريف ما كان ولد عوّ رحمه الله وكبار الفنانين ينشدون ولا أدري من قائله: 
الفكر في المسائل الصّعابِ ***  يورّث القلوبَ داء ًرابي
دواؤُه سماعُ صوت يَحْسُنُ *** وذاك في المواق حكمٌ بيّنُ
وللأمانة العلمية لم أقف على هذا المعنى في المواق، لا في كلامه على كراهة التلحين في القراءة ولا في باب الشهادة عند ذكره الغناء ضمن السلوكات الجارحة. على أن هذا المعنى أصله للغزالي وذكره آخرون من بعده.

المحجوب ولد بيه