الموهبة لا تختصرها صورة واحدة

ليس من السهل أن يصل الفنان إلى صناعة شخصية كوميدية تلتصق بذاكرة الجمهور وتتحول إلى جزء من وجدانه اليومي. فقبل أن يصبح حسن الفد هو "كبور" الذي عرفه وأحبه المغاربة، مر بتجارب طويلة من التكوين والبحث والتجريب الفني، حتى وجد في تلك الشخصية البسيطة في مظهرها والعميقة في تفاصيلها ضالته الفنية. 
وعلى نحو يثير المقارنة، يطل علينا الشاب الموريتاني محمد لغظف، الذي عرفه الجمهور من خلال منصة "الأمالي" واشتغاله باللغة العربية، بوجه فني مختلف تماما عبر شخصية "أشنان"، مقدما دليلا على أن الموهبة لا تختصرها صورة واحدة، وأن الثقافة والرصانة لا تتعارضان مع الحس الفكاهي والإبداع الكوميدي.
ما يستحق الإشادة في تجربة محمد لغظف هو نجاحه في تقديم كوميديا قريبة من البيئة والوجدان، بعيدة عن التصنع  والاستعراض المجاني؛ فقد استطاع من خلال "أشنان" أن يلتقط تفاصيل اجتماعية ولهجية وسلوكية يعرفها البيظان جيدا، وأن يحولها إلى مواقف ساخرة يجد فيها المشاهد شيئا من نفسه ومحيطه. 
صحيح أن العمل بدا متواضعا من الناحية التقنية والإنتاجية، لكن ذلك لم يمنع نجاحه، حيث أكد أن صدق الفكرة وقوة الشخصية وفهم الجمهور قد تتفوق أحيانا على الإمكانات المادية والبهرجة البصرية.
ولعل ما يغيب عن كثيرين أن إضحاك الجمهور لا يبدو أمرا سهلا؛ فالكوميديا الحقيقية لا تختصر في النكات ولا الحركات المفتعلة ولا تقليد الأصوات واللهجات؛ فهي صناعة تحتاج إلى رصيد ثقافي ومعرفي، وتراكم من التجارب الإنسانية، واطلاع واسع، فضلا عن دراسات وملاحظات سوسيولوجية تمكن الفنان من فهم المجتمع وعلاقاته وتناقضاته وأنماط تفكيره وسلوكه.
فالفنان الكوميدي الناجح لا يضحك الناس لأنه يبالغ في الأداء، وإنما لأنه يمتلك القدرة على اكتشاف المفارقات المختبئة في تفاصيل حياتهم وإعادة تقديمها بذكاء.
ومن هذه الزاوية، تستحق تجربة محمد لغظف والفيديوهات التي قدمها التشجيع والإنصاف، لأنها تكشف عن حس بالمحيط وقدرة رهيبة على تحويل المألوف إلى مادة فنية جذابة.
وهنا يحق لنا أن نطرح سؤالا على أنفسنا في الصحراء؛ متى نستطيع أن ننتج ممثلين كوميديين يمتلكون هذه القدرة على ملامسة وجدان المجتمع، بعيدا عن التصنع الفارغ والتهريج ومحاولات تقليد الآخرين؟ 
بيئتنا الصحراوية غنية بالحكايات والشخصيات والمواقف والتناقضات الإنسانية التي تصلح مادة للإبداع، ولدينا رصيد ثقافي واجتماعي هائل، لكننا بحاجة إلى مواهب تقرأ هذا الواقع وتفهمه قبل أن تحاول تجسيده.
نحن بحاجة إلى ممثل يثق في بيئته، ويستثمر خصوصيتها ويدرك أن الكوميديا هي ثقافة وملاحظة وذكاء وقدرة على التشخيص، ثم مخرجين من أبنائنا أو أصدقائنا الشغوفين بثقافتنا، لا مجرد "آلات" همها الأول عدد المشاهد الكثيرة التي يمكن أن يشتغل عليها في اليوم الواحد.
إن تجربتي "كبور" و"أشنان" تؤكدان أن الشخصية الكوميدية الناجحة لا تصنعها ضخامة الإنتاج بقدر ما تصنعها قوة الملاحظة وصدق الأداء والقدرة على فهم الإنسان والمجتمع. 
ومن هنا، فإن محمد لغظف يستحق منا التشجيع والاحتفاء؛ لأنه خاض تجربة مختلفة ونجح في فتح نافذة جديدة للتواصل مع جمهوره. 
ولسنا مطالبين باعتبار تجربته كاملة أو خالية من النقائص، لكننا مطالبون بإنصاف المبادرات التي تحمل بذور الإبداع؛ فلا تنقصنا طبعا مواضيع الضحك، بقدر ما ينقصنا من يمتلك الموهبة والثقافة والجرأة لتحويلها إلى فن حقيقي، وليس بالضرورة أن يكون ممثلا؛ فالممثل ماهو إلا صورة مصغرة لمخرجه.

سعيد زريبا