«أغن أتمتميت».. فن الغزل والتودد في الأدب الموريتاني



يُوصف هذا اللون من الأدب الشعبي،  «أغن أتمتميت» (الغزل)  بالإفراط في ذكر خصال المحبوبة، والإشادة بجمالها ومحاسنها، والتودد إليها بأساليب تعبيرية متعددة، تتسم بالرقة والعاطفة وجمال التصوير .
ومن المعلوم أن الغزل يتخذ ثلاثة أوجه: أولهما الغزل بالزوجة، وهو مباح، وثانيهما الغزل بامرأة غير معينة، وهو كذلك لا حرج فيه، أما الوجه الثالث فهو الغزل بامرأة معينة لا تحل للشاعر، وهو النوع المنهي عنه.
ويتميز «أغن أتمتميت» ببراعة الأسلوب، وعذوبة الألفاظ، وما تحمله من شحنات عاطفية صادقة، فهو شعر الوجدان الذي يعبر عن مشاعر المحب وتعلقه بمحبوبته. كما أنه يخلو في الغالب من التكلف والصنعة، إذ يقوم موضوعه على ذكر المحبوبة، واستحضار محاسنها، والتودد إليها بعبارات جميلة ومعبرة.
ولقد احتلت المرأة مكانة بارزة في هذا الفن، حتى لم يسلم من التغزل بها أمير ولا إمام ولا شاعر، وظل هذا الموضوع حاضرا في الذاكرة الأدبية العربية والموريتانية على حد سواء.
الغزل في الشعر العربي الفصيح:
إذا كان الشعر الشعبي الموريتاني قد احتفى بهذا اللون من الغزل، فإن الشعر العربي الفصيح سبقه إلى التعبير عن هذه المشاعر، ومن شواهده قول قيس بن الملوح:
أمرُّ على الديار ديار ليلى
أُقبِّل ذا الجدار وذا الجدارا


وما حبُّ الديار شغفن قلبي
ولكن حبُّ من سكن الديارا


وقال كثير عزة:
ومسَّ ترابًا كان قد مسَّ جلدها
وبيتًا وظلًّا حيث باتت وظلَّتِ
وقال أيضًا:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا
ولا موجعات القلب حتى تولّتِ
ومن أروع ما قيل في هذا الباب قول عنترة بن شداد:
ولقد ذكرتك والرماح نواهلٌ مني
وبيض الهند تقطر من دمي


فوددت تقبيل السيوف لأنها
لمعت كبارق ثغرك المتبسم


وقول ذي الرمة :
أقول لنفسي كلما خفت هفوةً
من الحب في آثار ميٍّ فأكثرُ


ألا إنما ميُّ صبرًا بليةٌ
وقد يُبتلى الحر الكريم فيصبرُ

وقول الآخر: 

قُلْ لِلمَلِيحَةِ في الخِمَارِ الأَسْوَدِ
ماذا فَعَلْتِ بِنَاسِكٍ مُتَعَبِّدِ


قَدْ كَانَ شَمَّرَ لِلصَّلَاةِ رِدَاءَهُ
حَتَّى وَقَفْتِ لَهُ بِبَابِ المَسْجِدِ


فَسَلَبْتِ مِنْهُ دِينَهُ وَيَقِينَهُ
وَتَرَكْتِهِ فِي حَيْرَةٍ لَا يَهْتَدِي


رُدِّي عَلَيْهِ صَلَاتَهُ وَصِيَامَهُ
لَا تَقْتُلِيهِ بِحَقِّ دِينِ مُحَمَّدِ
المرأة في وجدان الشاعر الموريتاني:
لقد استطاعت المرأة الموريتانية أن تتبوأ في قلب الرجل الموريتاني مكانة عظيمة، شبيهة بالمكانة التي احتلتها المرأة العربية قديمًا في وجدان شعرائها. ولم يكن الشعراء الموريتانيون أقل حظًّا من أسلافهم في التعبير عن مشاعر الحب والإعجاب، وهو ما تكشف عنه نصوصهم في الشعر الفصيح والشعبي.
ومن الشواهد الفصيحة على ذلك أبيات الشاعر أمحمد ولد أحمد يوره، حين قال:
قد كنت أكتم قديمًا حب «كمكوما»
فكاد يظهر ما قد كان مكتومًا


وكنت أحسبني «يا بر» مصطبرًا
عنها فأصبح ركن الصبر مهدومًا


خودٌ تنسي بمرآها إذا ابتسمت
«مدًّا من العيش مملوحًا وميدومًا»


شواهد من الشعر الشعبي الموريتاني:
ولعل أبلغ ما يكشف عن حضور هذا الفن في الذاكرة الشعبية الموريتانية، تلك النصوص التي نظمها شعراء من مختلف المشارب والمقامات، ومن بينها:

قول الشاعر الشعبي:
حاصت ما تسوق جوقه من دلالي
أوذاك الحاصت جوق ماريت ولا لي
وقال الأمير عبد الرحمن ولد اسويد أحمد:
ابرورك يلبي فخبر قيد النيل
أو جب عاد أعلي من برور أتليل
وقال آخر:
أعدي بغل لقياد
فول ذيك الكمره
أف مجرا فم الواد
يسعدك يالمجره
وقال آخر:
لا قلت نبدع كاف
أكليل تعبو
ولا قلت لكراف
يكبو يوكبو
وقال شاعر آخر:
ألاحك يالمجير في لي اصكار
فوك حبات أربيب لاحك حر النار
خاتمة:
وهكذا يتضح أن «أغن أتمتميت» ليس مجرد لون من ألوان الغزل الشعبي، بل هو تعبير عن وجدان المجتمع الموريتاني، وما تختزنه ذاكرته من صور الحب والإعجاب والتودد، كما يعكس مكانة المرأة في المخيلة الشعرية، وقدرة الشاعر الشعبي على تطويع اللغة والتعبير عن أدق المشاعر بأبسط الألفاظ وأجمل الصور.
ولعل الشاعر قد أحسن حين جعل حسن اختيار الجلساء من تمام الأنس، فقال:
نقي المجالس من غليظ الطبع إن رمت الغنى
أو مثله من مؤتنس
لابد من ظرفاء أهل نباهة
كالأصمعي أو جميل بثينة أو أنس
وشموس صحو مائسات
خرد خرس خلاخلهن أنفات النفس
بيض رخمات الكلام كعزة
وأميمة وبثينة ذات اللعس
إياك إياك المجالس غير ذا
إن البياض قليل الحمل للدنس
إعداد: وكالة الساطع الإخبارية