في ذاكرة مدينة كيفه الحبيبة، وتحديدًا في سوقها القديم، عاشت شخصيات استثنائية تركت بصماتها في نفوس الناس، لا بما تملك من مال أو جاه، وإنما بما صنعته من حكايات ومواقف طريفة ظلت تتناقلها الألسن جيلاً بعد جيل. ومن بين تلك الشخصيات، يبرز الراحل أحمد طالب ولد أبيرك، رحمه الله، الذي كان حضوره مزيجًا من العفوية والطرافة، حتى غدا واحدًا من الوجوه التي يصعب نسيانها.
كان أحمد طالب مولعًا بالعطور، مفتونًا بروائحها، لا يكاد يرى بائع عطور في السوق حتى يمد يده إلى قارورتين، ينتزعهما منه ويكسرهما على رأسه، ثم يمضي مبتسمًا، مستمتعًا برائحة العطر الفوّاح، وكأنما وجد في تلك اللحظة سعادته الخاصة، غير عابئ بما يترتب عليها من غضب الباعة واحتجاجهم!
لكن للصبر حدودًا، وللباعة كلمتهم أيضًا. ففي أحد الأيام، ضاقوا ذرعًا بتصرفاته، وشنّوا عليه حملة شعواء، حتى وجد نفسه في موقف لا يُحسد عليه. وبينما كان يبحث عن مخرج من ورطته، وقعت عيناه على خنشة من مادة «أدباغ»، المستخدمة في دباغة جلود القِرَب، فقبض منها قبضة وأدخلها في جوفه، مرددًا عبارته الشهيرة:
«نَدبقو بَاطْ امْجَابْنْ!»
وكأنما أراد أن يقول لخصومه بطريقته الخاصة: إن ضاقت بي السبل، فلن أعجز عن إيجاد ما أواجهكم به!
كانت تلك المواقف جزءًا من شخصية أحمد طالب الغريبة والمثيرة للدهشة؛ فهو رجل قد يضحكك حتى تدمع عيناك، ثم يترك في نفسك غصة من الأسى. كان هادئًا في أوقات كثيرة، لكن هدوءه لم يكن يمنعه من تصرفات تظل عالقة في الذاكرة.
وحين كانت الشمس تصبّ لهيبها على كيفه المحروسة، ويشتد الحر في أزقة السوق، كان أحمد طالب يقصد بئرًا قريبة، ويشرع في جلب الماء وصبّه على جسده، مرددًا بإيقاعه الخاص:
«كَدْ آمْنِينْ نَبْتَلْ نَشَفْ.. كَدْ آمْنِينْ نَبْتَلْ نَشَفْ!»
ولم يكن يكتفي بذلك؛ ففي ساعات الليل المتأخرة، كان يتجه إلى القِرَب التي تتركها بائعات الماء والشراب، في زمن كانت فيه المياه تُباع في السوق بـ«البَطّ»، فيفرغ ما فيها على رأسه، ويواصل ترديد عبارته التي صارت جزءًا من حكايته:
«كَدْ آمْنِينْ نَبْتَلْ نَشَفْ!»
عبارة بسيطة، لكنها في سياق تلك المشاهد كانت تختصر حكاية رجل يعيش لحظته على طريقته الخاصة، ويترك خلفه مواقف لا يمحوها مرور الزمن.
ولم تكن حكايات أحمد طالب مقتصرة على السوق والباعة والعطور والماء؛ فقد كانت له أيضًا معارك في عالم الخيال، بطلها رجل نحيل يُدعى مصطافته. وفي تلك الحكايات، لم تكن نحافة الرجل تعني ضعفًا، بل كانت المفارقة التي تستدعي استحضار البيت الشهير:
ترى الرجل النحيف فتزدريهُ
وفي أثوابه أسدٌ هصورُ
وكانت تُروى عن مصطافته حكايات عجيبة، منها أنه لا يضرب رجلًا إلا أوصله إلى الأرض السابعة، كما يقول التعبير الشعبي الحساني: «حتى يلودل بالفالات»، في مبالغة تصويرية تعكس خيال الرواة وما يضفونه على أبطال حكاياتهم من صفات خارقة.
وهكذا، كانت شخصيتا أحمد طالب ولد أبيرك ومصطافته جزءًا من عالم شعبي له لغته الخاصة، وأسلوبه في صناعة الضحك، وقدرته على تحويل المواقف العابرة إلى حكايات تعيش طويلًا في ذاكرة الناس.
واليوم، حين نستعيد تلك الصور من ذاكرة سوق كيفه، لا نستحضر مجرد مواقف مضحكة، بل نستعيد زمنًا بأكمله؛ زمنًا كانت فيه للشخصيات الشعبية مكانتها في الحياة اليومية، وكانت فيه الحكاية وسيلة للترويح عن النفس، وتخفيف أعباء الحياة، وصناعة ذكريات يتقاسمها الناس بمحبة وحنين.
وداعًا يا أحمد طالب، يا من أضحكتنا في مقتبل العمر، وتركت في ذاكرة كيفه حكايات لا تُنسى.
رحم الله أحمد طالب ولد أبيرك، ورحم الله مصطافته، وأسكنهما فسيح جناته، وجعل ذكراهما في قلوب من عرفوهما ذكرى طيبة، تستحضرها المجالس كلما عاد الحديث عن وجوه السوق القديم وحكاياته التي لا تنتهي
المغفور له : أحمد طالب ولد أبيرك.. حكاية من ذاكرة سوق كيفه