أمي، أبي، أنا طفلكما الصغير، برعم شنقيطي يتفتح في أرض الأصالة والعلم، وينمو في وطن له تاريخ عريق وأمجاد خالدة. أحلم أن أكبر وأنا أعتز بانتمائي، وأفخر بأجدادي، وأحمل من قيمهم وأخلاقهم ما يجعلني جديرًا بهذا الإرث العظيم. لكن لي معكما كلمات، فهل تسمعانني؟
أمي، لماذا تحرمينني من حضنك؟
أنا طفلك الذي لا يزال في بداية الطريق، أحتاج إلى دفء حضنك، وحنان قلبك، وقربك الذي يمنحني الشعور بالأمان. فلماذا تلجئين إلى قارورة الحليب دون ضرورة، وتحرمينني من لبن ثدييك، وقد جعل الله فيه غذائي وما أحتاج إليه في مراحل حياتي الأولى؟
أمي، لست أطلب منك المستحيل، وإنما أريد أن أحظى بحقي في الرعاية والحنان، وأن أجد في حضنك أول مدرسة أتعلم فيها الحب والأمان.
أمي، لماذا تتركينني خلف أبواب الحضانة؟
لماذا تودعينني في دور الحضانة، ثم تمضين إلى مشاغلك، بينما لا تزال عيناي الصغيرتان تبحثان عنك، ويداي ترتجفان شوقًا إلى لمستك؟
أعلم أن لك مسؤولياتك وأشغالك، وأن الحياة لا تخلو من الالتزامات، لكنني ما زلت صغيرًا، لا أفهم مبررات الغياب، ولا أستوعب طول الانتظار. وكل ما أعرفه أنني أحتاج إليك، وأن لحظات قربك لا تعوضها الهدايا، ولا تملؤها الألعاب.
أمي، ليست الحضانة عدوًّا لطفولتي، وليست كل أم تترك طفلها فيها مقصرة، لكنني أرجوك ألا يتحول غيابك إلى عادة، وألا تصبح مشاغل الحياة أكبر من حقي في الحنان والرعاية.
أمي، أبي، من يربيني إذا انشغلتما عني؟
لقد سألتك، أمي، بعينيّ البريئتين: هل أنا طفلك حقًّا؟ فلم أجد جوابًا يطمئن قلبي الصغير.
ثم التفتُّ إلى أبي، أبحث في وجهه عن إجابة، فلم أجده قريبًا مني كما تمنيت. قيل لي إنه مشغول بالعمل، وإن أمي مشغولة بمسؤولياتها، فاحترت: إذا كان كل منكما مشغولًا عني، فمن يتولى تربيتي؟ ومن يعلمني الصواب من الخطأ؟ ومن يأخذ بيدي حين أتعثر في أولى خطواتي؟
أبي، لا أريد منك أن توفر لي الطعام والملابس فحسب، بل أريد أن أجدك إلى جانبي، أسمع منك الكلمة الطيبة، وأتعلم من أفعالك، وأشعر بأن لي في قلبك مكانًا لا تسرقه مشاغل الدنيا.
وأمي، لا أريد أن أكون عبئًا على حياتك، بل أريد أن أكون جزءًا من رسالتك في هذه الحياة؛ فأنا أمانة بين يديك، وغدُ الوطن يبدأ من تربيتي اليوم.
أمي، لماذا تبعدينني عن أسماء أجدادي؟
لماذا تختارين لي أسماء لاعبين وفنانين وممثلين غربيين، بينما يزخر تاريخ بلادي بأسماء رجال صنعوا المجد، وتركوا بصماتهم في صفحات التاريخ؟
ألا تعلمين أن الاسم أول ما أحمله من هويتي، وأنه قد يكون نافذة أطل منها على تاريخ أمتي، وأتعرف من خلاله إلى رجالها ونسائها الذين أسهموا في صناعة حضارتها؟
أمي، لا أطلب منك أن تحرميني من كل اسم جديد، ولا أن ترفضي أسماء الآخرين لمجرد أنها غريبة عن بيئتنا، وإنما أرجوك أن تمنحيني فرصة للتعرف إلى تاريخي، وأن تجعلي أسماء أجدادي حاضرة في ذاكرتي، حتى لا أكبر غريبًا عن ماضي أمتي.
أمي، كوني امتدادًا لأمهات صنعن الرجال.
تذكري أمهات هذه الأمة اللواتي أسهمن في تربية رجال حملوا رسالتها، ومنهم موسى بن نصير، وأبو بكر بن عامر، ويوسف بن تاشفين، وغيرهم من القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بالفتوحات وصناعة التاريخ.
لم يكن أولئك الرجال أبناء المصادفة، بل كانوا ثمرة بيئات تربوية وثقافية صنعت في نفوسهم العزيمة، وغرست فيهم القيم، وربطتهم برسالة أكبر من ذواتهم.
فكوني لي أمًّا تغرس في قلبي الإيمان بالأخلاق، وحب العلم، واحترام الآخرين، والاعتزاز بالوطن، والتمسك بالهوية، بدل أن أتعلم من العالم كل شيء وأنسى نفسي.
أمي، لسنا مطالبين برفض الغرب، بل بعدم الذوبان فيه.
لا أريد أن أكبر رافضًا لكل جديد، ولا أن أعيش أسير الماضي، لكنني أريد أن أستفيد من تقدم الآخرين دون أن أفقد شخصيتي، وأن أتعلم من تجاربهم دون أن أتنكر لجذوري.
علّميني أن الحضارة ليست مظهرًا نقتبسه، ولا لباسًا نرتديه، ولا أسماء نختارها، وإنما هي علم وعمل وأخلاق ومسؤولية.
علّميني أن الاعتزاز بالهوية لا يعني التعصب، وأن المحافظة على الأصالة لا تتعارض مع الانفتاح، وأن الإنسان يستطيع أن يكون ابن عصره، وفي الوقت نفسه وفيًّا لتاريخه وقيم مجتمعه.
أمي، أبي، أنا مستقبل بلاد شنقيط.
أنا الطفل الذي سيكبر غدًا، وقد أصبح معلمًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو عالمًا أو قائدًا أو مواطنًا صالحًا يسهم في بناء وطنه. لكنني لن أصل إلى ذلك وحدي؛ فأنا بحاجة إلى أسرة تؤمن برسالتها، ومجتمع يرعى طفولتي، ومدرسة تكمل ما يبدأ في البيت.
لا تحرماني من طفولتي باسم الانشغال، ولا من هويتي باسم التقدم، ولا من حقي في التربية باسم متطلبات الحياة.
امنحاني الحب، وعلّماني المسؤولية، واغرسا في نفسي حب العلم والعمل، واحترام الإنسان، والاعتزاز ببلادي.
فأنا لست مجرد طفل يحتاج إلى الطعام والملبس؛ أنا مشروع إنسان، وبذرة مستقبل، وأمانة ستسألان عنها أمام الله.
أمي، أبي، لا أريد أن أكون نسخة من أحد، بل أريد أن أكون نفسي؛ طفلًا شنقيطيًّا يعتز بأصوله، وينفتح على عصره، ويحمل من ماضيه ما ينير له طريق المستقبل.
فإذا أردتما أن تريا بلاد شنقيط قوية بأبنائها، معتزة بهويتها، حاضرة بين الأمم، فابدآ بي اليوم؛ من حضنكما، ومن تربيتكما، ومن الكلمات التي تزرعانها في قلبي.
فالأوطان لا تبنيها الطرق والمباني وحدها، بل تبنيها أيضًا عقول الأطفال، وأخلاقهم، والقيم التي يتربون عليها.
أنا البرعم الشنقيطي الصغير... فلا تحرماني من جذوري، ولا تحرماني من جناحيّ؛ أريد أن أمتد في أرض أجدادي، وأن أحلّق في سماء المستقبل.
موريتانيا .. كلمات على شفاه الصغار/ ذ . يسلم ولد بيان