لعصابة: الكيطانة.. موسم أفل نجمه مع تراجع واحات النخيل


(وكالة الساطع الاخباري ) اختفت ظاهرة «الكيطانة» تدريجيًا من المشهد الاجتماعي والتراثي في ولاية لعصابة، بعد أن كانت موسمًا ينتظره السكان بشوق، ويتباشرون بقربه، ويستعدون له مبكرًا، لما يمثله من مناسبة تجمع بين الاستمتاع بثمار النخيل، والترويح عن النفس، والتواصل الاجتماعي، واستحضار جانب أصيل من الذاكرة المحلية.
وكانت وديان عديدة في الولاية تشهد خلال هذا الموسم حركة نشطة، من بينها وديان كرو، واتوقيده، والعوجه، ولكران، وأجلل، ورأس الفيل، وأمسايل مدينة كيفه: بوملان، ووادي الروضة، والزين، والبكاي، وغيرها من المناطق التي كانت تحتضن تجمعات رواد الكيطانة.
ومع بداية نضج التمور، كان الشباب وغيرهم من محبي هذا الموسم يتوافدون على تلك الأودية، وينصبون الخيام، لتبدأ أيام من الاستمتاع بأصناف التمور المحلية، التي تتنوع بين «تنترقل»، و«حمر أدلي»، و«أم اعريش»، و«كانب»، وغيرها من الأنواع المعروفة لدى سكان المنطقة.
وكانت مدة الكيطانة تتراوح عادة بين أسبوع وثلاثة أسابيع، يعود بعدها المشاركون إلى أماكنهم محملين بالتمور، التي كانت تُحمل أحيانًا في أشكال تقليدية، من بينها «أشنن» التي تُهدى إلى كبار السن، و«أقلايد» التي تُوزع على الصغار، في صورة تعكس قيم الكرم والتكافل الاجتماعي.
الكيطانة في ذاكرة الشعراء
لم يكن موسم الكيطانة مجرد مناسبة لجني التمور أو الاستمتاع بها، بل كان أيضًا مصدر إلهام للشعراء، الذين وثقوا أجواءه في قصائد وأهازيج شعبية، عبّرت عن تعلق الناس به، وما كان يوفره من راحة ومتعة واستجمام.
ومن الأبيات المتداولة في وصف هذا الموسم:
«وهاي النافد كيطان هون
تم الاكارد ظهر أدندون»
كما تناول الشاعر إبراهيم ولد إبراهيم أجواء الكيطانة في أبيات شعبية استحضرت مشاهد الاستعداد للموسم، والتنقل بين الديار، والجلوس في ظلال النخيل، وما يرتبط بذلك من ذكريات وعادات اجتماعية متوارثة.

يُلْطُفْ بِيَّ يَوْمْ الْنَصْبَحْ
فِوكَيْرْ الِّ بِغْرَامُ شَحْ

وادْبَشْ لِكْيَاطِينْ امْطَرَّحْ
مَزَّالُ فَعْگَابْ الْكُلْفَ

تِتْخَالِفْ دَيَّارِتْ لِبْلَحْ
فِي الزَّوَالْ اتْگَلْ الْخَلْفَ

يِرْگبْ نَوْ اكْبِيرْ امَّرَّحْ
والْبَرَّاكَ تَحْتُ رِدْفَ

إلِّ إكُولْ انْ النَّوْ اصْلَحْ
والِّ إكْلْ ان النَّوْ اًصْفَ

لُطْفَكْ يَاعْظِيمَ الْجَاهِ
مَغْلَاهْ أوكِيرْ إبانْ احْفَ

أومَعْوَدْ غَلَّايُ مَلَاهِ
تِشْتَدْ امْنْ أخْبَارُ نتف
وتكشف هذه الأشعار عن المكانة التي احتلتها الكيطانة في الوجدان المحلي، بوصفها موسمًا يجمع بين الطبيعة والتراث والترفيه، ويمنح الناس فرصة للتواصل وتجديد الصلات الاجتماعية.
تراجع النخيل وراء اختفاء الموسم:
ولعل من أبرز أسباب اختفاء الكيطانة في ولاية لعصابة، باستثناء ما تبقى منها بصورة محدودة، التراجع الكبير الذي شهدته واحات النخيل خلال السنوات الماضية، وما ترتب عليه من انخفاض إنتاج التمور وتراجع قدرة كثير من الواحات على الاستمرار في أداء دورها الاقتصادي والاجتماعي.
فقد شهدت بعض الواحات تدهورًا ملحوظًا دفع عددًا من ملاك النخيل إلى إهمالها أو التخلي عن العناية بها، لتصبح عرضة للآفات والعوامل الطبيعية، الأمر الذي أسهم في تراجع أعداد النخيل وتضرر مساحات كانت إلى وقت قريب جزءًا مهمًا من النشاط الزراعي المحلي.
ورغم أن ندرة المياه خلال السنوات الأخيرة تُعد من أبرز العوامل التي يمكن أن تفسر هذا التدهور، فإن هناك عوامل أخرى ساهمت في إضعاف زراعة النخيل، من بينها:
١_ ضعف العناية بالواحات: إذ أدى إهمال بعض المزارعين وعدم مواصلة أعمال الصيانة والرعاية إلى تراجع إنتاجية النخيل وتضرر أجزاء من الواحات.
٢ _ محدودية تدخل الجهات المختصة: حيث يرى مهتمون بالزراعة المحلية أن تدخلات الجهات المعنية لم تكن كافية لمواكبة حجم التحديات التي تواجه هذا النشاط الزراعي.
انتشار أشجار المحادة: التي يُعتقد محليًا أنها تنافس النخيل على المياه والموارد المتاحة، ما يستدعي دراسة أثرها ووضع تدابير مناسبة للحد من تأثيرها إذا ثبتت أضراره.
٣_ ضعف استخدام التقنيات الزراعية: إذ يحد غياب الوسائل الحديثة وأساليب الري المناسبة من قدرة المزارعين على مواجهة ندرة المياه وتحسين الإنتاج.
4_ غياب أسواق منظمة لتسويق التمور: وهو ما يقلل من فرص تسويق الإنتاج المحلي، ويضعف حوافز المزارعين للاستثمار في صيانة الواحات وتطويرها.
وقد تضافرت هذه العوامل، وغيرها، لتؤدي إلى تضرر أعداد كبيرة من أشجار النخيل، وتراجع إنتاج التمور، وانحسار الموسم الذي ارتبط بها على مدى عقود.
من موسم التمور إلى «كيطانة الأسواق»
ومع تراجع الواحات وانخفاض إنتاجها، لم تعد الكيطانة تحتفظ بمكانتها السابقة، وأخذت صورتها التقليدية تنحسر تدريجيًا، لتحل محلها أنماط أخرى من قضاء الوقت والاستمتاع بالتمور المتاحة في الأسواق.
وبذلك لم يقتصر أثر تراجع النخيل على الجانب الزراعي والاقتصادي، بل امتد إلى جانب من التراث الاجتماعي والثقافي للمنطقة؛ فالكيطانة لم تكن مجرد موسم للتمور، وإنما كانت مناسبة ينتظرها الناس، وتلتقي خلالها العائلات والأصدقاء، وتُستعاد فيها العادات والتقاليد المتوارثة.
وتعكس الصور التي رصدتها وكالة الساطع الإخباري حجم القلق بشأن مستقبل النخيل في ولاية لعصابة، في ظل استمرار تراجع بعض الواحات وتضرر أشجارها، وهو ما يثير مخاوف من أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى اختفاء ما تبقى من مظاهر الكيطانة التقليدية.
إنقاذ النخيل حفاظًا على التراث والاقتصاد المحلي:
إن الحفاظ على ما تبقى من واحات النخيل في ولاية لعصابة لم يعد مجرد قضية زراعية، بل أصبح ضرورة لحماية جزء من الذاكرة الجماعية والتراث المحلي، فضلًا عن أهميته الاقتصادية والمعيشية بالنسبة إلى السكان.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تدخلات جادة لدعم المزارعين، وتحسين وسائل الري، ومواجهة الآفات، وإعادة تأهيل الواحات المتضررة، وتوفير الإرشاد الزراعي، وتشجيع تسويق التمور المحلية عبر أسواق منظمة تضمن للمزارعين الاستفادة من إنتاجهم.
كما أن توثيق موسم الكيطانة، وما ارتبط به من أشعار وعادات وصور وذكريات، يمثل خطوة مهمة في حفظ هذا الموروث للأجيال القادمة.
فإذا كانت الكيطانة قد تراجعت حتى كادت تختفي من المشهد في ولاية لعصابة، فإن إنقاذ ما تبقى من واحات النخيل قد يسهم في استعادة جانب من هذا الموسم، وإعادة الحياة إلى تقليد ظل طويلًا جزءًا من هوية المنطقة وذاكرتها.
فالكيطانة لم تكن مجرد موسم للتمور، بل كانت حكاية أرض ونخيل وناس؛ وإذا غاب النخيل، غابت معه حكايات كثيرة تستحق أن تبقى.