ملف المدونين والابتزاز
منذ أيام ونحن نتابع فصول ما بات يعرف بملف مدوني الخارج والابتزاز، وهو ملف يثير أسئلة كثيرة تتجاوز الأشخاص الموقوفين إلى ظاهرة أوسع فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحت تحتاج إلى نقاش جاد حول حدود التدوين، ومصادر تمويله، والمسؤولية الأخلاقية والقانونية المترتبة عليه.
لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي فتحت مصادر جديدة للدخل أمام المدونين، بدءا من أصحاب المحتوى البسيط، وانتهاء بمن تحولوا إلى ما يشبه المؤسسات الإعلامية الصغيرة. فهناك من يكتفي بصور الحياة اليومية.
فهناك صغار المدونين من أصحاب "صورني ساهي" و"اتمنصي" وهناك من بمارس "الزيدنة الإلكترونية" من خلال تلميع اشخاص وتقديمهم على أنهم فاعلون و وازنون اجتماعيا في ولايتهم خاصة ببن يدي زيارة الرئيس لمناطقهم.
وهناك من ينقل صور الفعاليات والأنشطة السياسية مقابل أجر معلوم، وهو أمر يمكن أن يندرج، في أصله، ضمن أنشطة إعلامية أو إعلانية مشروعة ما دام واضحا ومعلنا.
لكن المشكلة تبدأ حين ينتقل الأمر من صناعة المحتوى إلى صناعة النفوذ، ومن النقد إلى الابتزاز.
وقد برزت في الآونة الأخيرة، خصوصا لدى بعض مدوني الخارج، ظاهرة أكثر خطورة تتمثل في استخدام ملفات حساسة تتعلق بالفساد أو الاختلاس أو المحاباة والزبونية، وتقديمها عبر بثوث ومنشورات تلبس أحيانا ثوب العمل السياسي أو الصحفي. وقد يتطور الأمر من كشف ملفات فساد حقيقية إلى المساس بالأعراض والقذف والتشهير.
والأخطر أن بعض هذه الملفات يبدو، بحسب ما يثار حولها، صادرا من الداخل، بما يفتح الباب أمام احتمال وجود أطراف تزود المدونين بالمعلومات والوثائق لتحقيق أغراض مختلفة: قد تكون مصلحة شخصية، أو ابتزازا للضحية مقابل شراء الصمت، أو تصفية حسابات مع خصم، أو محاولة لإسقاط شخص من منصب أو إفساح المجال أمام منافس له.
وهنا لا يعود السؤال متعلقا بالمدون وحده، فكما أن في الرشوة ثلاثة ملعونين: الراشي والمرتشي والرائش بينهما، فإن منظومة الابتزاز قد تضم كذلك المبتز، والضحية، والوسيط أو الممول أو مزود المعلومات. وربما يكون الأخير، في بعض الحالات، أخطر من المبتز نفسه؛ لأنه يملك المعلومات، ويعرف مواضع استخدامها، وقد يحولها إلى أداة في صراع لا علاقة له بمصلحة المجتمع أو كشف الفساد.
ومن هنا تأتي خطورة الملف، خصوصا إذا صحت المعلومات المتداولة عن وجود تحويلات مالية وشبكة منظمة تستفيد من هذا النشاط.
نحن لا نملك أدلة تدين أشخاصا بعينهم، كما أن المعلومات المتاحة للرأي العام حول أسماء الموقوفين وطبيعة الأدوار المنسوبة إليهم ومراحل التحقيق ما تزال محدودة. لكن ما أعلنته جهات محسوبة على الدولة يتحدث عن ملاحقة شبكة متورطة في عمليات ابتزاز مالي وتحويلات مشبوهة عبر الفضاء الرقمي، وعن توقيف نحو عشرة أشخاص، من بينهم إعلامي وصاحب وكالة صرافة ووسطاء، فضلا عن اتهامات لبعض كبار مدوني الخارج بتحقيق ثروات كبيرة من وراء هذا النشاط.
كما طُرح توصيف أكثر خطورة، مفاده أن الأمر تحول إلى «صناعة منظمة» تستهدف نشر الأخبار الزائفة، وهتك الأعراض، وشراء الصمت لأغراض مادية أو كيدية.
وإذا ثبتت هذه الوقائع بالأدلة، فإننا لا نكون أمام مجرد تجاوزات فردية لمدونين، وإنما أمام ظاهرة تستحق معالجة أمنية وقانونية شاملة، خصوصا إذا كانت الأموال المتداولة قد بلغت الأرقام التي يجري الحديث عنها، والتي أوصلتها بعض التقديرات إلى نحو 800 مليون أوقية قديمة.
لكن الرقم، مهما كان كبيرا، ليس هو السؤال الأهم.
السؤال الأهم هو: من دفع هذه الأموال؟ ولماذا؟ ولمن دفعت؟ وما الملفات التي كان يراد إسكات أصحابها أو نشرها أو استخدامها؟
فإذا كانت هناك أموال دفعت فعلا إلى مدونين أو وسطاء، فلا يكفي معرفة من تلقاها؛ بل ينبغي معرفة مصدرها والغاية منها. وإذا كانت بعض التحويلات مرتبطة بابتزاز أشخاص بعينهم، فمن هم هؤلاء الأشخاص؟ وهل كانوا يدفعون لحماية أنفسهم من نشر معلومات صحيحة تتعلق بفساد ارتكبوه، أم كانوا ضحايا حملات ملفقة؟
وبالمثل، إذا كانت هناك جهات توفر الملفات والمعلومات للمدونين، فإن التحقيق ينبغي ألا يتوقف عند من نشر أو تلقى المال، بل أن يصل إلى مصادر المعلومات ومصادر التمويل والجهات التي تقف وراء الحملات، وأن يكشف ما إذا كانت بعض هذه العمليات قد استخدمت لتصفية حسابات سياسية أو إدارية داخل دوائر السلطة.
وهنا تظهر أخطر نقطة في القضية: مساس الابتزاز بملفات الدولة الحساسة.
فحين تصبح المعلومات الداخلية والوثائق السرية والملفات المتعلقة بمسؤولين ورجال أعمال في متناول شبكات تستغلها لتحقيق مصالح خاصة، فإن الأمر يتجاوز الابتزاز المالي إلى مشكلة تتصل بأمن الدولة ومؤسساتها. وإذا صح ما يقال عن وجود تسريبات لملفات فساد إلى مدونين في الخارج، فإن السؤال يصبح أكبر: هل نحن أمام نشاط إجرامي منفصل، أم أن بعض هذه الملفات قد يكون جزءا من صراعات داخلية وتسويات بين أطراف متنافسة؟
لا يمكن الجزم بذلك دون أدلة، ولا ينبغي تحويل الاحتمالات إلى حقائق. لكن التحقيق الجاد يجب أن يجيب عن هذه الأسئلة، لا أن يكتفي بإعلان عدد الموقوفين والتهم الموجهة إليهم.
وفي المقابل، فإن محاربة الابتزاز لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتضييق المجال أمام النقد السياسي أو الصحافة أو كشف الفساد. فهناك فرق واضح بين صحفي أو مدون يكشف فسادا موثقا، وبين شخص يستخدم معلومة صحيحة أو ملفا حساسا للحصول على المال وشراء الصمت. الأول يمارس حقا مشروعا، والثاني يرتكب جريمة متى ثبتت عناصرها.
لذلك فإن الدولة مطالبة بأن تتعامل مع هذا الملف بأقصى درجات الشفافية، وأن تعرض نتائجه على الرأي العام بالأدلة، وأن تتضح مسؤولية كل طرف فيه: المبتز، والوسيط، ومصدر التمويل، ومزود المعلومات، وكذلك الضحية إذا ثبت أنه دفع المال لشراء الصمت، مع البحث في مصدر الأموال التي دفعها والسبب الذي دفعه إلى ذلك.
ملف الابتزاز ليس قضية مدونين وحدهم، بل قضية مال ونفوذ ومعلومة وأخلاق. وإذا كانت هناك شبكة ابتزاز فعلا، فإن تفكيكها ينبغي أن يصل إلى الحلقة الأخيرة في السلسلة: من يدفع، ومن يستفيد، ومن يزود، ومن يوجه.
فالشفافية وحدها كفيلة بأن تضع حدا للشائعات، وتفصل بين كشف الفساد وابتزاز الفاسدين، وبين حرية التعبير والمتاجرة بها.
كامل الانتظار
سيد محمد