كوارث كبرى بعيون موريتانية

حين كانت الصحراء تَرصد الكوكب دون أن تدري
سنة 1755، وقع في لشبونة زلزالٌ مدمّر هزّ أوروبا كلها، ودفع الفيلسوف فولتير إلى كتابة "كانديد"، ردا على الفيلسوف لايبنتز والمبدأ الغزالي "أفضل العوالم الممكنة – ليس في الإمكان أبدع مما كان". 
في اليوم نفسه، وفي الساعة نفسها تقريباً، كان فقيهٌ في ولاتة يكتب في حولياته: "يوم الأحد أول القائلة لثالث بقين من المحرم الحرام وقعت زلزلة عظيمة في الأرض بعد دوي الهواء". ولم يكتفِ بذلك، بل سأل القادمين من كل جهة فوجدهم جميعاً قد أحسّوا بها، فسجّل أن أحداً لم يُفلت من إدراكها "إلا من كان نائماً أو راكباً". ويسجل الزيدي في فشتالياته التشيتية: 
وفيه أراضينـا جميعًـا تزلزلـت --- ومـا أحـد منـا ارعـوى بتبتـل
لم يكن هذا الإمام الفاضل يعرف أن ما اهتزّ تحت قدميه هو الموجة الأخيرة من الزلزال نفسه الذي أثار كثيرا من النقاشات حول مبدأ الشّرّ، في صالونات باريس، بل في كل مدارس أوروبا.
وفي سنة 1815، انفجر بركان "تامبورا" في إندونيسيا، وهو أعنف الانفجارات التي شهدها العالم مما احتفظت به ذاكرة البشر. حجب رماده الشمس عن نصف الكوكب، وعُرف العام التالي في أوروبا وأمريكا بـ"السنة التي لا صيف فيها". في الوقت نفسه، كانت الحوليات الحوضية تسجّل ظلمةً غريبة غطّت الأفق بعد العصر، وأشجاراً طوالاً تساقطت من غير أن تهبّ ريح. وبعد ثلاث سنوات، جاء سيلٌ مفاجئ فأسقط مسجد ولاتة الكبير. لم يكن أهل لاتة الطيبون يعلمون أن السيل الذي جرف مسجدهم الجميل كان حلقةً من سلسلة طقسية عالمية مصدرها جبل اشتعل في الجهة الأخرى من الكوكب.
وفي سنة 1891، رصدت الحوليات الموريتانية وباءً فتاكاً اجتاح البقر، أسمته باسمه المحلي "بومرارة"، يقول صاحب حوليات تجكجه "موت جميع بقر ادوعلي وعامة الناس" وصاحب حوليات ولاته يقول: "هلك البقر هلاكا لم يسمع بمثله"، ويقول بكن في الكبله: 
شيئان إن فـقـدا لا شــيء بعدهمـا *** ولا يـشـد إلـــى الــدنــيــا إذن خـبـر
أبقاهما الـلـه مــا أبـقـى الـزمــان بِنـا *** أبــنــاء أحــمــد بــن دمــان والـبـقـــر 
أودى الـزمـان بـمـا فـي الـكـون مـن بقٍر *** وآل خـنـدوسـه قــْد أودى بـهـم يـَمَـرُ 
لم يكن أهلنا الطيبون يعرفون أنهم يعيشون الفصل الأخير من رحلة بقرةٍ هندية مريضة نزلت من سفينة إيطالية على شواطئ البحر الأحمر، فأعدت قطعان القرن الأفريقي، ثم زحفت العدوى غرباً عبر وادي النيل، فالساحل كله، حتى بلغت بقر القوم على ضفاف نهر صنهاجة وبحر الظلمات. 
ومما وجدته في وثيقة لدى عمي الدكتور محمد المحجوب ولد بيه -حفظه الله نقلا عن الرئيس حمود ولد أحمدو أن المستعمر لما بلغه مشاركة الأمير علي ولد محمد محمود في معركة النيملان على رأس جيش من قومه أرسل إلى الأمير محمد المختار ولد محمد محمود يعترض ويذكره باتفاقية وارقيطة، وألزموه بدفع بعض الديات بعضها بقرا وبعضها إبلا، فشق على القوم دفع البقر إذ لم يكن موجودا حينها، فلم يجده إلا لدى فخذ واحد منهم. هذه الندرة إنما هي من عقابيل هذا الموتان الكبير.   
ثلاث حوادث، ثلاث كوارث كونية، وثلاث شهادات محلية كتبها فقهاء كانوا يسجلون بعفويتهم وصدقهم أحداثا عاشوها بتلقائية الإنسان المسلم، وروح اللجوء إلى الله. لم يكونوا يعرفون البراكين في جزر المحيط الهندي، ولا الزلازل في شواطئ الأطلسي، ولا الأوبئة التي تحملها سفن المستعمرين من سهول الهند، لكنهم كانوا يكتبون ما يرون كما يرونه. وهذا بالضبط ما يمنح الحوليات الموريتانية قيمتها العلمية اليوم: إنها لم تُكتب لتكون أرشيفاً للكوكب، ولهذا صلحت أن تكون كذلك.

المحجوب ولد بيه