الإعلام الرسمي وحدود المهنية/ أباي ولد اداعة

 

يعد الإعلام الرسمي الموريتاني بأبعاده الثلاثة المرئي ( التلفزة الموريتانية ) و المسموع ( الإذاعة الوطنية ) و الورقي ( الوكالة الموريتانية للأنباء ) .

الذراع الإعلامي المهيمن للدولة ، حيث يقتصر دوره بشكل كبير علي تغطية الأنشطة الحكومية و النشاطات الرسمية بمعني أوضح خدمة المرفق العام و الإلتزام بالخط التحريري للدولة .

و تتسم مهنيته بمحدودية نتيجة الإرتهان لدفاتر إلتزامات غير مغعلة بالكامل تمنع إنتقاد السياسات العليا أو الشخصيات السياسية أو الرسمية .

في ظل تبعية إدارية للسلطة التنفيذية ،

و هو ما يتنافي مع المبدأ الشائع و القائل بأن الإعلام هو السلطة الرابعة ،

فكيف إذن لسلطة أن تتبع و تخضع لسلطة أخري ؟!

مما جعله في تراجع مستمر في تقديم إعلام عمومي شامل .

بحيث يعمل الصحفي في مجال الإعلام الرسمي تحت قيود هيكلية و تحريرية بما لا يتعارض مع توجه الدولة ،

 تفرضها تبعية المؤسسات الإعلامية للسلطة التنفيذية .

مما يحد من إستقلاليته و يفرض عليه مصادرة ذاتية في طرح المواضع الحساسة رغم حرية التعبير العامة في البلاد ،

ففي ضوء ما أثير من جدل و تداعيات بشأن الصحفي الشاب سعدنا ،

فإن ما قام به هو محاولة لكسر الروتين الحاصل في الطرح و إدارة البرامج الحوارية و بالتالي الخروج عن المألوف في الضوابط المهنية .

حيث اعتمد المذيع أسلوب المشاكسة و المواجهة و الإفتراس الإعلامي من أجل إرباك الضيف و إخراجه من حالة التهيؤ المسبق و وضعه في موقف دفاعي مستمر، 

دون منحه فرصة التفكير و الرد السليم ،

يهدف هذا الأسلوب إلي كسر ابروتوكولات الحوار الهادئ و تعرية الضيف و نزع القناع عنه لإظهار ردود أفعال عفوية و غير مدروسة ،

مما يخلق إثارة و جدلا يجذب المشاهدين ،

لكنه غالبا ما يطمس الحقيقة . 

و هو ما يستوجب لدي الهيئات الإعلامية الرسمية إجراءات إدارية و مهنية تقويمية ،

تبدأ بإستفسار رسمي للوقوف علي أسباب المخالفة أو المقاصد في الطرح ،

يعقبه عتاب مهني أو إنذار .

و ذلك لضمان إلتزام الخدمة العمومية بمعايير الدقة و الموضوعية و الحياد ،

و تفادي الخلط بين الأخبار و الدعاية .

بشكل أعم تعتبر حدود المهنية مرنة تتيح التغطية الإخبارية المهنية للفعاليات ،

لكنها تنكمش عند محاولة ممارسة الصحافة الإستقصائية إتجاه قضايا الفساد أو السياسات الرسمية .

في الوقت الذي توجد فيه أصوات حقوقية و نقابية تطالب بحماية الصحفيين و ضمان إستقلاليتهم و رفع القيود عنهم ،

معتبرين أن حرية الصحافة حق دستوري و ليست إمتيازا .

في حين تدفع عوامل عدة بعض الصحفيين و العاملين في الحقل الإعلامي ،

لتسجيل مواقف تضامن منقطعة و فردية في مثل هذه الحالات ،

بدافع الرغبة في كسر جدار الصمت المفروض من المصادر و تجنب تضليل الرأي العام ،

و ضغوطات النقابات المهنية للدفاع عن حقوق الصحفيين المادية و المعنوية .

غالبا ما يكون هذا التضامن إستجابة لإهانة أو تقييد حرية الصحفي أو تطورات قانونية أو إجتماعية طارئة ،

دون تشكيل جبهة موحدة دائمة. 

تأسيسا لما سبق فإن المشهد الإعلامي الرسمي بحاجة إلي تطبيق خطة شاملة تجمع بين الإصلاح القانوني و السياسي و المواءمة بين الإعلام التقليدي و الإعلام الرقمي التفاعلي البديل سريع الإنتشار و الذي يتجاوز قيود الإعلام التقليدي ،

و تصاحبه نوازل ( قضايا مستجدة ) فقهية و قانونية معاصرة و تحديات خطيرة كالإشاعات و تزييف الحقائق و غياب المهنية و المساس بالقيم الإجتماعية و الدينية و إنتهاك الخصوصية و الجرائم الألكترونية. 

و هو ما يمثل تحديا اخلاقيا و شرعيا يستوجب الوعي و الإحترافية لتجنب الفوضي .  

و يتطلب مواثيق شرف أخلاقية لمجابهة التجاوزات، 

و يعمل علي ترسيخ حرية الصحافة كركيزة ديمقراطية لا ترفا ،

و مواجهة محاولات تقييد الكلمة .

 

       رمضان كريم 

      اباي ولد اداعة