أطروحة الحسين ولد محنض : زلزال علمي في تاريخ المرابطين ومراجعة للعشر مسلّمات من "تيدره" إلى "أزوكي"

أطروحة الحسين ولد محنض : زلزال علمي في تاريخ المرابطين  ومراجعة للعشر مسلّمات من "تيدره" إلى "أزوكي"

ناقش الدكتور الحسين ولد محنض أطروحته يوم أمس لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ والحضارة، تحت عنوان: "تاريخ دولة المرابطين في بلاد شنقيط ومنطقة غرب الصحراء من النشأة إلى العهد الحساني"، بإشراف الدكتور محمد المختار ولد الهادي ولد سيدي محمد، وعضوية لجنة ضمّت الدكاترة ددود ولد عبد الله ويحيى والبرا، وقد أجيزت الأطروحة بميزة ممتاز مع توصية بالنشر.

وقد دفعتنا هذه الأطروحة إلى طرح سؤالٍ جوهري:

"هل كان كل ما قرأناه عن تاريخ المرابطين دقيقاً؟ وماذا لو كانت هناك 'عشر مسلّمات' كبرى ظلت تحكم وعينا التاريخي، وهي تفتقر إلى الدليل القطعي؟

في عملٍ أكاديمي وُصف بأنه 'جهد أستاذ متمرس'، يقتحم الباحث الحسين ولد محنض قلاع التاريخ الحصينة، ليقلب الطاولة على مفاهيم استقرت لقرون، وليثبت أن تاريخ الصحراء الشنقيطية كان، وما يزال، في حاجة إلى من يمسك بمروياته من تلابيبها."
خارجًا عن أي أنساقٍ مألوفة في اجترار الأخطاء وتقديس المسلّمات، جاءت أطروحة الباحث "الحسين ولد محنض" لنيل الدكتوراه في التاريخ؛ محاولةً جريئة لإعادة كتابة تاريخٍ اجتهد كثيرون في تثبيت أخطائه حتى صارت حقائق لا تُناقش. لقد قلبت هذه الرسالة جملةً من المفاهيم والمعطيات رأسًا على عقب، عبر التتبع الدقيق، والتمحيص الصارم، والمقارنة المنهجية، والمحاججة المحكمة.
أمسك الباحث بالمرويات من تلابيبها، لا بضجيج الادعاء، بل بصلابة الحجة، وقوة الدليل، ومنهجية الطرح، وعمق التناول، وحسن السبك، ورجاحة العقل. وكأنه أراد أن يواجه التصديق السائد بالحقيقة العارية؛ ذلك التصديق الذي خضع أحيانًا للأغراض، وأحيانًا للتسرع في الأحكام، وأحيانًا أخرى للمجاراة أو التسليم الأعمى بالمنقول. لقد تمرّد الحسين على السياق الموروث، فزعزع ما يقارب عشر مسلّمات استقرّت طويلًا من غير بينة، حيث خلص في دراسته إلى جملة من النتائج البارزة، من أهمها:
• أن الدولة المرابطية الصحراوية تركت تاريخًا حافلًا جديرًا بأن يُجمع ويُكتب، وهو ما سعت هذه الأطروحة إلى إنجازه.
• أن مكانة دولة المرابطين التي قامت في الجنوب (بلاد شنقيط) بعد انقسام الدولة المرابطية لا تقل شأنًا عن الدولة التي قامت في الشمال (المغرب). فإذا كانت دولة المرابطين الشمالية قد وحّدت المغرب وأخّرت سقوط الأندلس، فإن دولة المرابطين الجنوبية الشنقيطية قد وحّدت الصحراء، وفتحت "غانة"، وأسهمت في نشر الإسلام في مناطق واسعة من إفريقيا، وبسطت نفوذها على مساحة تزيد على ضعف مساحتي المغرب والأندلس مجتمعتين.
• أن المصادر الوسيطة التي تناولت الدولة المرابطية كانت تفتقر إلى دراسة مقارنة تستثمر معطياتها وتصحح اختلالاتها، وهو ما أنجزته هذه الأطروحة، خصوصًا في تناولها للحقبة الأولى من تاريخ المرابطين (حقبة ما قبل الانقسام).
ولم يكن كل هذا مجرد كلامٍ إنشائي، بل عضدته حجج وأرقام ومعطياتٌ ومقارنات دقيقة، حتى إن أحد الأساتذة المناقشين صرّح بأنه قل بحث أو مرجع أو معلومة كُتبت عن المرابطين إلا ووجدها حاضرة في هذه الأطروحة، ووصفها آخر بأنها أقرب إلى جهد أستاذٍ متمرّس منها إلى عمل طالب دكتوراه.
لم يكتفِ الحسين بهذا التمحيص لأطروحات سكتت عنها طويلاً مرويات التكرار، بل توصل مع ذلك بجهد علمي رصين إلى تثبيت عشر حقائق جوهرية سوف تقلب الأطروحات التي ظلت متداولة عن المرابطين بشكل مغلوط، وتحسم الخلاف في جوهر انطلاقة هذه الحركة ومراحلها المفصلية. ويمكننا تلخيص أهم النتائج التي خلص إليها الباحث فيما يلي:
1. حميرية صنهاجة: تأكيد أصلهم اليمني عبر جمع الأدلة المتفرقة، وإضافة دليل حاسم وجديد يتمثل في هجرة "الأنباط الحميريين" قبل نحو ألفي سنة إلى الصحراء، وهم أنفسهم الأنباط المعروفون في بلاد شنقيط اليوم.
2. تفسير "البتر والبرانس": تقديم تفسير جديد يستند إلى تاريخ هؤلاء الأنباط بدلاً من التفسير القديم الذي كان يربط التسمية بطبيعة الملابس.
3. مادية "الرباط": إثبات أن رباط المرابطين كان حقيقة مادية ملموسة (وفي جزيرة تيدره تحديداً)، وليس مجرد تعبير معنوي كما روجت له المدرسة المعاصرة.
4. أمة "قمنورية": تقديم دراسة مفصلة عن الشعوب التي كانت تساكن صنهاجة في الصحراء، وإثبات أن "قمنورية" التي ذكرها الإدريسي هي "كنار"، وهي الأمة القديمة التي عمرت البلاد قبل الملثمين، وأن عاصمتها "نغيرا" هي "نكجير" في شمال بلاد شنقيط.
5. لغز شعب "بافور": حل إشكال هذا الشعب وتبيين أنهم جزء من شعب "هوارة" المعروف.
6. ملوك غانة الأوائل: دحض فرضية قدومهم من يهود برقة النازحين من الشام، وإثبات أنهم من شعب "أغرمان" الأمازيغي الذي استوطن شنقيط حينها.
7. عاصمة المرابطين "آزوكي": تصحيح موقعها، فهي "گوگدم" في الطرف الشمالي الشرقي من الصحراء الشنقيطية (سفح جبل لمتونه)، وليست "آزوكي آدرار" كما شاع.
8. تاريخ استشهاد الأمير أبي بكر بن عمر: تصحيح تاريخ وفاته حيث توفي عام 468هـ/ 1076م، خلافاً لما اشتهر عند ابن خلدون وابن أبي زرع وأخذت به المدرسة العصرية.
9. استمرار الدولة المرابطية الصحراوية: إثبات أن الدولة المرابطية الصحراوية لم تنتهِ باستشهاد الأمير أبي بكر، بل استمرت من بعده عبر خلفاء وأحداث كشفتها الدراسة لأول مرة.
10. فتح مملكة غانة: تقديم الأدلة القاطعة على غزو المرابطين لمملكة غانة وفتحها، خلافاً لمزاعم المدرسة الغربية المعاصرة.
إن هذه الدراسة ستعيد إلى طاولة البحث مواضيع ظنَّ الكثيرون أنها حُسمت، وهي تؤسس لوعي تاريخي جديد يربط فضل انتشار الإسلام في غرب إفريقيا بمرابطي الصحراء وبلاد شنقيط.
غير أن الأهم من كل ذلك -بالنسبة لي- ليس فقط تصحيح الأحداث، بل تحرير العقل التاريخي من سلطة الاجترار؛ أي الانتقال من تاريخٍ يُروى لأنه "شائع"، إلى تاريخٍ يُثبت لأنه "مُحقَّق". فالتاريخ إما أن يُكتب بأدوات النقد والمقارنة والاستقراء، أو يظل مجرد صدىً باهت لما قيل من قبل.
وهنا يكمن جوهر الدراسة: أن التاريخ لا يُصان بالتقديس، بل بالمراجعة.. ولا يُبنى بالتسليم، بل بالتحقيق.

محمد محمود بكار