لن أهنئ أحدا بتعيينه/ الشيخ ولد احمد

 

عادة سيئة لا تنتمي إلى أدبيات الشفافية، ولا تصدر من نظافة الضمير، وهي بعيدة عن الروح المدنية وقيم المواطنة والتحضر.

إنها عنوان للتخلف ونعت الوظيفة العمومية بالمكسب الخاص وبالكعكة التي يطمع كل واحد في قطعة منها.

إن  تهنئة الأشخاص في بلادنا بتعيينهم في مناصب عليا، يحول هذا التكليف إلى مكافأة أو تشريف شخصي، بينما الحقيقة أن المنصب العام هو ابتلاء ومسؤولية كبيرة قبل أن يكون مكانة اجتماعية أو امتيازا خاصا.

هذه الثقافة التي باتت سائدة تحمل في طياتها عيوب عديدة تؤثر على نظرة الفرد للمنصب وعلى أدائه للعمل العام.
إن التعيين في منصب عالٍ يعني تحميل الشخص أمانة ثقيلة تتعلق بخدمة الناس، وتحقيق الصالح العام، وتحمل تبعات القرارات المصيرية. وعندما يُقابل هذا التعيين بسيل من التهانئ وامواج بشرية تسوق الذبائح إلى المنزل في رشوة مقدمة فإن الشخص  المعين ينمو لديه شعور زائف بالتميز أو التفوق، بدل أن يشعر بثقل المسؤولية وخطورة التقصير. وهذا قد يؤدي إلى تضخم الأنا وضعف الإحساس بالمحاسبة.
كما أن التهنئة على التعيين قد تكرّس مفهومًا خاطئًا مفاده أن المناصب غاية في حد ذاتها، لا وسيلة لخدمة المجتمع. فيتحول السعي إلى المناصب إلى هدف شخصي، وتضعف قيم الإخلاص والعمل والتضحية، ويحل محلها التفاخر والبحث عن الوجاهة الاجتماعية.
يجب أن تتأخر التهنئة حتى يتحقق شيء من الإنجاز والنجاح في أداء المهمة، لا بمجرد توليها. فالمسؤول لا يُقاس بلقبه أو منصبه، بل بما يقدمه من عدل وكفاءة وخدمة حقيقية للناس. لذلك، فإن ثقافة التهاني ينبغي أن تتحول إلى ثقافة الدعاء بالتوفيق والتعوذ من الابتلاء والمساءلة بعد العمل، لا المجاملة عند البداية.

يمكن ان نتفهم تقديم التهاني للمنتخبين الفائزين مثلا لانهم نالوا ثقة الشعب وليس لذات الوظيفة؛ وجميل ان نهنئ الأشخاص بنجاحاتهم وتكريماتهم وتصدرهم للأرقام الدراسية ولما حققوا في مجالات العلم والعمل ؛أما ان نهنئهم على التعيين في الوظائف العليا فتلك مصيبة تنتمي إلى أمراضنا الاجتماعية التي تحتضن الكذب والرشوة والكسل واستباحة ممتلكات الدولة وتحويلها إلى فريسة.
 إن تصحيح هذا المفهوم بات حاجة ملحة من أجل  تعزيز  الوعي المجتمعي، وإعادة المنصب العام لمعناه الحقيقي بوصفه أمانة ومسؤولية، ليجعل من يتقلده أكثر تواضعًا وحرصًا على أداء واجبه على الوجه الصحيح؛ لذلك فإني لن أهنئ  أحدا بتعييته.

الشيخ ولد احمد مدير وكالة كيفه للأنباء