أين تتجه الحرب؟ قراءة في الحرب الأمريكية الاسرائليه على إيراني
من الواضح أن الحرب الراهنة على إيران تفتقر إلى المسوغات القانونية الحقيقية، مما يدفعنا للتساؤل: ما هو المحرك الفعلي لهذه الحرب ؟
يُطرح هذا التساؤل في ظل عدوان اتسم بعنف مفرط وعدائية جذريّة، تتذرع بالرواية المعلنة وهي “منع طهران من حيازة السلاح النووي”. يأتي هذا في عالم تسيطر فيه أربع دول (الصين، الهند، باكستان، وإسرائيل) على نحو 10% من إجمالي الرؤوس النووية في العالم، بينما تمتلك الولايات المتحدة وروسيا وحدهما نحو 90% منها، وبعض هذه الدول يتبنى أيديولوجيات دينية متعصبة وتوسعية مثل إسرائيل أو سياسية مناهضة للنماذج الديمقراطية مثل الصين.
لقد أبدت إيران مراراً مرونة للتفاوض بشأن برنامجها النووي، إلا أن الإدارة الأمريكية -بتجاوزها لوساطات إقليمية كجهود سلطنة عُمان وتفاهمات الوكالة الدولية للطاقة الذرية- اختارت التصعيد بدعوى أن إيران تمثل “تهديداً مباشراً”. وهنا يستحضر الوجدان الجمعي مبررات غزو العراق؛ فمتى يكفّ صانع القرار في واشنطن عن تكرار ذات الأكاذيب المكشوفة؟
لقد شُنّت بناء على تلك الأكاذيب حملة عسكرية ذات طابع همجي استهدفت مئات المواقع في ضربات مرعبة سعت لاقتلاع ركائز الدولة الإيرانية (علمياً، سياسياً، ودينياً). وخلال الأيام الأولى من المواجهة: نفذ التحالف الاسرائلي الامريكي نحو 1000 هجوم استهدف 534 هدفاً.
اغتيلت خلالها مرجعية دينية تجاوزت الثمانين من عمرها باستخدام 30 قنبلة في عملية واحدة اتسمت بوحشية مفرطة كما استُهدفت منشآت مدنية، منها مدرسة سقط فيها 100 طفل، لترتفع حصيلة الضحايا إلى 887 قتيلاً فياله من مشهد مروع !
ورغم هذا المشهد الدامي، لا يزال الخطاب الغربي يتشدق بشعارات الإنسانية وحقوق الإنسان!
-استراتيجية “فنزويلا” وفشل الحسابات
صُممت هذه الحرب في بدايتها لتكون “نسخة مطورة” مما خُطط له في فنزويلا: قطع رأس النظام، إغراق البلاد في الفوضى، ثم تنصيب نظام موالٍ. لكن القراءة الأمريكية أغفلت حقائق التاريخ والجغرافيا:
العمق التاريخي:
إيران ليست دولة طارئة؛ فقبل ولادة الولايات المتحدة بألفي عام، كانت الإمبراطورية الفارسية تمتد على مساحات واسعة من العالم القديم.
كما تمتلك إيران مؤسسات صلبة صقلتها تجربة الحصار المستمر منذ نحو 45 عاماً، والتأثير في المنطقة الإقليمية والحروب، مع اقتصاد يبلغ ناتجه المحلي نحو 400–450 مليار دولار ومعدل نمو يراوح في السنوات الأخيرة بين 3 و4,7%.
كما يقوم النظام الإيراني على ازدواجية القوة (الجيش والحرس):
يبرز الحرس الثوري كقوة ضاربة تضم نحو 190 ألف عنصر نظامي إضافة إلى قوات التعبئة (الباسيج)، بميزانية رسمية تقارب 24 مليار دولار، مع نفوذ اقتصادي واسع يقدر أنه يسيطر على 20 إلى 30% من قطاعات الاقتصاد الإيراني.
وقد أظهر هذا النظام قدرته على الاستمرار والعمل بدقة حتى بعد الضربات القاسية ونتائجها المفجعة المفاجئة، الأمر الذي أسقط فكرة “الحرب الخاطفة”. وهكذا تحولت المواجهة تدريجيًا إلى حرب استنزاف.
حتى الآن بدأت مخزونات الصواريخ الاعتراضية في إسرائيل تتعرض لضغط كبير في ظل تعرضها لقصف صاروخي ومسيرات، كما استهدفت الهجمات الإيرانية أو حلفاؤها المصالح الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
وفي المقابل تعد إيران منتجًا مهمًا للطائرات المسيرة؛ إذ تنتج إيران عشرة طائرات مسيّرة يوميا بتكاليف منخفضة نسبيًا قد تتراوح بين 20 ألف و50 ألف دولار لبعض النماذج البسيطة، مقارنة بتكاليف أعلى بكثير في الأنظمة الغربية المتقدمة مثل الولايات المتحدة التي تنتج 14 مسيرة شهريا بأضعاف التكاليف .
ومنذ يناير 2024 أرسلت الولايات المتحدة 267 طائرة مسيرة في الحرب ضد اليمن بقيمة بلغت 320 مليون دولار، بينما بلغت قيمة المسيرات اليمنية – المدعومة إيرانيًا – التي استهدفت أهدافًا أمريكية نحو 13 مليون دولار فقط. ومن هنا يمكن تقدير الفارق في كلفة الاستنزاف.
كما باعت إيران لروسيا منذ نوفمبر 2023 نحو 4600 مسيرة من طراز “شاهد” بقيمة 180 مليون دولار، في حين تزود روسيا إيران بتكنولوجيا الصواريخ والمضادات الجوية والمقاتلات وغيرها من الأسلحة بقيمة تقدر بنحو 11 مليار دولار سنويًا.
إيران، إذن، ليست فنزويلا.
-حسابات بديلة
اليوم، ومع بدء الحرب في الاستطالة، يبدو أننا أمام مواجهة بين قوى كبرى، بالنظر إلى طبيعة الفاعلين والمتضررين واتساع مسرح العمليات. وهذا سيضيف تعقيدات كبيرة على مسار الحرب وعلى التوقعات المتعلقة بنتائجها.
ومن دون الغوص بعيدًا في جذور التاريخ والاتفاقيات السابقة، يمكن القول إن إيران تمثل رأس حربة في صراع دولي صامت يتجلى في مواجهة النفوذ الأمريكي عبر أدوات اقتصادية وسياسية، تقف الصين في مقدمتها.
فالصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تقف بوضوح في وجه الطموح الأمريكي المتزايد للهيمنة، مستندة إلى شبكة من العلاقات الاقتصادية العميقة مع دول مثل إيران وفنزويلا.
ومن هنا يطرح السؤال نفسه من جديد:
هل تهدف الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إزالة التهديد الإيراني فحسب، أم إلى تغيير موازين القوى في المنطقة وإخراج الصين من اللعبة الجيوسياسية في منطقة الطاقة والممرات البحرية؟
من المعروف أن إيران ليست تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة، لكنها تمثل تهديدًا دائمًا لإسرائيل خاصة لاسرائيل الكبرى . ووفق هذا المنظور تدخل الولايات المتحدة الحرب أساسًا لحماية إسرائيل إلا الوقائع من حيث الكلفة والدعاية الأمريكية فإن الأمر يتجه لأهداف أخرى!
الصين، رغم حرصها التقليدي على تجنب الاحتكاك العسكري المباشر مع الولايات المتحدة، وضعت ثقلها الاقتصادي والدبلوماسي – البالغ نحو 18 تريليون دولار كناتج محلي إجمالي ووزنها الديبلوماسي وفي مجلس الأمن – في معادلة الصراع.
فالعلاقات التجارية بين الصين وإيران ذات عمق استراتيجي كبير؛ إذ تستورد الصين جزءًا مهمًا من النفط الإيراني يقدَّر بنحو 1 إلى 1.5 مليون برميل يوميًا رغم العقوبات.
كما ترتبط الدولتان باتفاقية تعاون استراتيجي تصل قيمتها إلى 400 مليار دولار على مدى 25 عامًا في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا.
وقد بلغ حجم التبادل التجاري بينهما في السنوات الأخيرة نحو 60 إلى83مليار دولار لسنة 2025.
ومن هنا يصبح من الطبيعي أن تسعى الصين إلى حماية مصالحها الاستراتيجية.
إننا، إذن، أمام حرب استعراض قوة بين محور تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا، ومحور آخر تقف فيه إيران مدعومة بالصين وروسيا.
لكن يبقى السؤال الأهم:
ما الأمد الافتراضي لهذه الحرب؟ وما النتائج المحتملة لها؟
لا يمكن الإجابة بدقة عن هذين السؤالين، لكن بعض المؤشرات بدأت بالظهور. فقد كان الرد الإيراني شاملًا، وهدفه إيصال الألم إلى كل ما يمثل الوجود الأمريكي في المنطقة، عبر استهداف القواعد والمصالح العسكرية.
وقد حاولت الاستخبارات الإسرائيلية توسيع نطاق الصراع عبر دفع دول الخليج إلى الانخراط فيه بحجة الدفاع عن نفسها، إلا أن إيران سارعت إلى طمأنة الدول العربية بأن عملياتها تستهدف الوجود الأمريكي فقط.
كما تمكنت السعودية وقطر من إحباط عمليات تخريبية نسبت إلى عملاء للموساد كانت تهدف إلى إلصاق التهم بإيران وإدخال دول الخليج في الحرب.
وبذلك بقي الصراع محصورًا في نطاقه الأولي، وهو ما قد يطيل أمده، خاصة في ظل قدرة إيران على الصمود في حرب استنزاف طويلة.
وفي النهاية ستكشف الأيام العقيدة الحقيقية لهذه الحرب:
هل تسعى الولايات المتحدة إلى تحييد الصين عن أسواق الطاقة والممرات البحرية وبناء تحالفات جديدة ضدها؟
أم أن هدفها يقتصر على إعادة إيران إلى نقطة ضعف قريبة من بداياتها وتقليص نفوذها الإقليمي لصالح إسرائيل؟
إنه صراع معقد ستكشف نتائجه الأيام. لكن السؤال الأهم يظل مطروحًا:
هل استوعبت دول الخليج الدرس؟ وهل وعت الشعوب العربية ما يجري حولها وضعف بلدنها في موازنة القوة الدولية رغم مالهم من موارد وقوة استراتيجية في الموقع .
محمد محمود بكار