البودايه.. حكاية نكهة من ذاكرة المطبخ الموريتاني

البودايه.. حكاية نكهة من ذاكرة المطبخ الموريتاني

أنت يلي منك فلشي"" وذنك لا يسمع ذ أحمايه
ماني لاهي عنك نمشي"" ماريت اليوم البودايه

(وكالة الساطع ) ظهرت «البودايه» أو «الدوخلايه» في البلاد الموريتانية مع ظهور وجبة الثريد (الكسكس)، مثلما ارتبط ظهور «المرقايه» بوجبة العيش، في سياق يعكس تنوع المطبخ الموريتاني وثراء عاداته الغذائية.

والبودايه عبارة عن حفنة من الكسكس تؤخذ باليد قبل اكتمال إعداد الوجبة أو أثناء مراحل تحضيرها، وتختلف تسميتها بحسب وقت أخذها؛ فالأولى يقال لها «ماهي متقيه»، وتكون عادة من نصيب الجائع المتعجل الذي لا يريد انتظار اكتمال إعداد الطعام، أما الثانية فتسمى «متقيه»، وتكون لمن هو أقل استعجالاً. 

ولم تكن البودايه مجرد لقمة عابرة أو وجبة سريعة، بل كانت جزءاً من تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الموريتاني قديماً؛ إذ كان الأطفال يُستأجرون مقابل الحصول عليها للقيام ببعض الأعمال المنزلية، مثل جمع الحطب وجلب الماء وتأجيج النار، وهي العملية التي كان يُعبّر عنها بـ«تلاطيم تحت الصابره».

ومن التعابير الشعبية التي ارتبطت بهذه العادة قولهم: على وجه المزاح لكل من طلب منه انجاز مهمة «ولكم بودابه عندنا»، 

كما كان طلاب المحاظر يجدون في «البودايه اليابسة» مقابلاً لبعض الخدمات التي يقدمونها، وهو ما يكشف جانباً من أنماط المعاملات البسيطة والتكافل الاجتماعي التي طبعت حياة المجتمع في تلك الفترة.

وهكذا لم تكن البودايه مجرد أكلة شعبية ارتبطت بالكسكس، بل تحولت إلى جزء من الذاكرة الاجتماعية، تختزن حكايات الأجداد وتفاصيل حياتهم اليومية، وتعكس بساطة العيش وخصوصية العادات والتقاليد الموريتانية.

إنها حكاية نكهة من زمن مضى، ونافذة على جانب من تراثنا الغذائي والاجتماعي الذي يستحق التوثيق والحفاظ عليه.

زاوية الساطع: عين على التراث