لعلامة أحمد المامي ولد بيان
الحلقة الأولى: ملامح من حياته العلمية والأدبية
بقلم: د. محمد المختار ولد محمد فاضل
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد وقع اختياري على أحد الأعلام الذين كان لهم دور بارز في تكوين المجتمع والإسهام في بنائه العلمي والثقافي، وهو العلامة أحمد المامي ولد بيان، رحمه الله، وسأتناول الحديث عنه في ثلاث حلقات.
ويعود اختياري لهذه الشخصية دون غيرها من أعلام المجتمع إلى جملة من الأسباب، من أبرزها:
- معرفتي به وإلمامي بجوانب من سيرته أكثر مما أعرف عن كثير من الأعلام الآخرين.
- صلته الوثيقة بأسرتي؛ فهو خال جدي، وأبناؤه بين شيخ وأخ وخليل لوالدي، كما أن أحفاده تربطني بهم صلات مماثلة، وهو ما يتيح لي الحديث عنه من معرفة وقرب.
- ملاءمة شخصيته لموضوع الصفحة واهتماماتها بأعلام المجتمع وأدبائه.
وستخصص الحلقة الأولى للحديث عن شخصيته باعتباره علما وأديبا من أبناء المجتمع الذي تهتم الصفحة بالتعريف برجالاته وأعلامه، فيما تتناول الحلقة الثانية العائلة التي ينتمي إليها، وهي عائلة أهل بيان الأحكام، أما الحلقة الثالثة فستخصص لأبنائه وآثاره.
وسأتبع في هذه الحلقة منهج اللف والنشر المرتب ترتيبا معكوسا؛ حيث أبدأ بالحيثية الثالثة، ثم الثانية، فالأولى، وبالله أستعين.
أولا: نسبه وانتماؤه الاجتماعي
أما فيما يتعلق بانتمائه إلى المجموعة، فهو أحمد المامي بن محمد خون بن سيد عثمان بن محمد الأمين بن الطالب عبد الله (بيان) بن عبد الرحمن بن محمد الأمين بن أحمد بن المصطف (ويس) بن أحمد (يبوي) بن أحمد (هنضيض) بن محمد بن محمد (قلي) بن إبراهيم، ثم يرتفع نسبه بعد ذلك إلى الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
ثانيا: مكانته العلمية والاجتماعية
أما من حيث مكانته العلمية، فيكفيه فخرا أنه حفيد العالم الكبير عبد الرحمن بن محمد الأمين، الذي عُرف بدقة تبيانه للأحكام، حتى غلب عليه لقب «بيان»، وأصبح أشهر من اسمه.
ولم يكن أحمد المامي مجرد منتسب إلى بيت علم، بل كان امتدادا لأسرة عُرفت بالعلم والعلماء؛ فهو ابن علماء، وأب لعلماء، وأخ لعلماء، وعم لعلماء. وهنا تحضرني مقولة مرة بن ذهل بن شيبان، أحد سادات بكر بن وائل، في حق همام بن مرة: «أما همام فأب العشرة، وأخ العشرة، وعم رجال، وخال رجال».
فوالده محمد خون ولد سيد عثمان عالم جليل، وقد اعتمد قاضيا لدى قبيلة مشظوف، كما تولى رجال من أهل بيته القضاء في إدوعيش ومجموعة أهل الطالب جدو.
وكان أحمد المامي، رحمه الله، شغوفا بالفروسية والعروبة، متمكنا في فن التيدنيت، وكان يعد ذلك جزءا من الفتوة ومقومات الرجولة، ويحرص على ألا يترك جانبا من جوانبها حتى لا يكون ذلك منقصة في شخصيته أو منقبة لأحد من أقرانه عليه.
وكان الرجل كثير الترحال، لما امتاز به من سعة المعرفة بالثقافة البيظانية، الأمر الذي مكنه من التكيف مع مختلف البيئات والتكوينات الاجتماعية.
فقد رحل إلى بعض القلاع العلمية، التي أتحفظ على ذكر أسمائها، لمجالسة علمائها والاستفادة من معارفهم، وكان يومها فتى يافعا لا يشق له غبار، استطاع أن يفحم العلماء ويسكت الفصحاء. وقد تعرض خلال إحدى تلك الرحلات لمؤامرة كادت تودي بحياته، لولا العناية الإلهية.
كما رحل إلى الشمال، وانتظم في صفوف المقاومة التي قادها الشيخ ماء العينين، وهي الرحلة التي أكسبته خبرة واسعة بالصحراء، ومكنته من مرافقة عدد من أعلام أبناء عمومته في رحلات استيراد الأسلحة لدعم المقاومة ومواجهة المستعمر.
وكان، رحمه الله، قاضيا فطنا، لا يسوف الأحكام ولا يجامل الخصوم، وقد ألف مرشدا للقضاة ظل محفوظا لدى أبنائه إلى عهد قريب.
وقد سمعت نماذج من ذلك المؤلف عند ابنه فضيلة الشيخ المربي محمد محمود ولد أحمد المامي ولد بيان، شيخي الذي درست عليه صلوات مختصر خليل، وكنت كثير المجالسة له.
ومن المواقف التي لا أنساها أنه اختبرني ذات مرة في علم التركات، حين كنت أظن أنني قد ألممت بأحكامها. وكانت المسألة تعرف بـ«عقرب تحت طوبة»، وتتلخص في امرأة توفيت عن زوج وأم وأخت لأم وعاصب، ثم أقرت الأخت لأم ببنت للمتوفاة.
فبادرت إلى حل المسألة دون أن أنتبه إلى ضرورة البدء بمسألة الإنكار، فقال لي، رحمه الله، بأسلوبه الهادئ: «ألا بشور».
وبعد التأمل، بدأت بمسألة الإنكار، وهي: زوج وأم وأخت لأم وعاصب؛ فللزوج النصف، وللأم الثلث، وللأخت لأم السدس، والباقي للعاصب. وأصل المسألة من ستة، للزوج ثلاثة أسهم، وللأم سهمان، وللأخت لأم سهم، ولم يبق للعاصب شيء.
ثم انتقلت إلى مسألة الإقرار، وهي: زوج وأم وأخت لأم وعاصب وبنت؛ فللزوج الربع، وللأم السدس، وللبنت النصف، وتحجب البنت الأخت لأم، ويكون الباقي للعاصب. وأصل المسألة من اثني عشر؛ للزوج ثلاثة أسهم، وللأم سهمان، وللبنت ستة أسهم، ويبقى سهم للعاصب.
وبعد ذلك جمعت نصيب البنت والعاصب، فكان سبعة أسهم، ولم يقبل نصيب الأخت لأم، وهو سهم واحد من مسألة الإنكار، القسمة على السبعة، فضربت السبعة في أصل مسألة الإنكار، وهو ستة، فكانت النتيجة اثنين وأربعين سهما؛ للزوج واحد وعشرون، وللأم أربعة عشر، وللبنت ستة، وللعاصب سهم واحد، ولا شيء للأخت لأم.
وبعد أن انتهيت من حل المسألة، أخبرني بأنها من المسائل التي عقدها المرابط أحمد المامي في نظمه المعروف بـ«دليل القضاة» أو «مرشد القضاة»، ولا أذكر على وجه اليقين أي الاسمين هو الصحيح.
وقد خلّف أحمد المامي أبناء علماء، كان أكبرهم محمد خون، الذي سماه على اسم والده، ومن بينهم فتى الفتيان، نجل بيان، الزميني، الذي يراعي المجد حينا بعد حين، وهو القائل:
برق على تل ...........
أما بقية بنيه، فسأرجئ الحديث عنهم إلى الحلقة المخصصة لهم.
ومن الوقائع التي تدل على المكانة العلمية التي كانت تحظى بها هذه الأسرة، حادثة اجتماع لرموز القبيلة، جرت العادة فيها أن يصطحب كل رمز شخصية علمية ودينية. فقد حضر محمد خون ولد أحمد المامي، ابن العلامة أحمد المامي، مصاحبا لرمز مجموعة أهل الطالب سيد أحمد، فيما حضر ابن أخيه محمد خون ولد يب مصاحبا لرمز مجموعة أهل الطالب جدو.
ثالثا: أحمد المامي الأديب والشاعر
أما الحيثية الثالثة، وهي كونه أديبا وشاعرا، فتستحق وقفة خاصة؛ إذ كان الشعر من أبرز مكونات الأدب، وقد برز أحمد المامي في نظمه، جامعا بين الشعر الفصيح والشعر الحساني، وكان متمكنا من كليهما.
وسنأخذ لذلك نماذج من شعره الفصيح والحساني.
1. الشعر الفصيح: مساجلته مع الحاج الجكني في قصر الصلاة
من أبرز الشواهد على تمكنه من الشعر الفصيح مساجلته العلمية والأدبية مع الحاج الجكني حول مسألة قصر الصلاة.
ومعلوم أن المساجلة الشعرية تزداد صعوبة حين يكون الشاعر ملزما بالرد على بحر القصيدة وقافيتها، فضلا عن التزامه بموضوعها ومقاصدها.
يقول الحاج الجكني مخاطبا أحمد المامي:
مِنِّي إِلَى نَجْلِ أَخْيَارِ الرِّجَالِ وَمَنْ
يَعْلُو عَلَى زُحَلٍ وَبِالْعُلُومِ عَلَا
سَلَامٌ مُلْتَمِسٌ نَصَّ الصَّلَاةِ الَّتِي
قَدْ شَاعَ تَقْصِيرُهَا وَأَيْنَ ذَا فُعِلَا
إِنِّي كَشَفْتُ جَمِيعَ الْكُتْبِ قَاطِبَةً
وَقَدْ جَلَسْتُ مَعَ الْأَشْيَاخِ وَالنُّبَلَا
وَلَمْ أَجِدْ لِمُقِيمٍ دَائِمًا سَبَبًا
بِهِ يُقَصِّرُ قَبْلَ مَا قَدِ ارْتَحَلَا
فَالشَّرْطُ أَنْ لَا يَجُوزَ قَصْرُ مُرْتَحِلٍ
قَبْلَ الشُّرُوعِ وَقَطْعِ بَعْضِ مَا نُقِلَا
مِثْلَ الْبَسَاتِينِ وَالْأَمْيَالِ فِي بَلَدٍ
وَمِثْلَ قَوْلِ خَلِيلٍ بَعْدُ وَانْفَصَلَا
يَكْفِيكَ مِنْ رَدِّ مَا قَدْ كُنْتَ تَزْعُمُهُ
وَاللَّهُ يَمْنَعُنَا الْمِرَاءَ وَالْجَدَلَا
وَذَا سُؤَالُ جَهُولٍ طَالِبًا خَبَرًا
مِنَ الَّذِي يَعْلَمُ النُّصُوصَ وَالسُّبُلَا
أَجِبْ بِنَصٍّ صَرِيحٍ لَا احْتِمَالَ لَهُ
وَلَا تَقِسْ فَالْقِيَاسُ الْيَوْمَ مُنْحَظِلَا
وَلَا أُحَاشِي بِمَا قَدْ قُلْتُ أَجْمَعِهُ
سَلِيلَ بَيَّانَ إِذْ لِذَاكَ قَدْ فَعَلَا
فَالِاسْمُ دَلَّ عَلَى تَبْيِينِ مَطْلَبِنَا
وَالْحَاجُ إِنْ بُيِّنَ الْمَطْلُوبُ قَدْ كَمُلَا
فأجابه أحمد المامي ولد بيان، ملتزما البحر والقافية نفسيهما، فقال:
يَا مُنْكِرًا قَصْرَنَا وَحُكْمَهُ سَأَلَا
اسْمَعْ جَوَابًا بِهِ أَجَابَ مَنْ سُئِلَا
إِنَّا قَطَعْنَا الْمَسَافَةَ الَّتِي قُصِدَتْ
وَفَاعِلُ الْقَصْرِ فِي الْأَسْفَارِ مَا عُذِلَا
ثُمَّ أَقَمْنَا بُعَيْدَ الْقَطْعِ فِيهِ وَلَمْ
نَنْوِ الْإِقَامَةَ لِلْعُذْرِ الَّذِي حَصَلَا
فَفِعْلُ خَيْرِ الْوَرَى فِي الْفَتْحِ يَكْفِكَ مِنْ
جَوَابِ سُؤْلِكَ يَا ذَا السُّؤْلِ فَامْتَثِلَا
وَقَصْرُ عَبْدِ الْإِلَهِ فِي إِقَامَتِهِ
سِتًّا شُهُورًا إِذَا أَنْصَفْتَ مُمتَثِلَا
يَكْفِي وَتَكْفِي إِقَامَةُ الصَّحَابَةِ فِي
الْأَسْفَارِ لِلتِّجْرِ أَشْهُرًا لِمَنْ عَقَلَا
مُيَسَّرٌ قَالَهُ وَهُوَ مُعْتَمَدٌ
وَالْعِلْمُ لِلَّهِ جَلَّ رَبُّنَا وَعَلَا
وَقَالَ خَلِيلُ الْإِمَامُ لَا الْإِقَامَةُ وَالْ
حَطَّابُ وَالتَّاجُ قَصْرًا أَبَدًا نَقَلَا
وَمَنْ نَوَى أَرْبَعًا يُتِمُّ عِنْدَهُمُ
إِنِ اسْتَقَلَّ بِرَأْيِهِ وَإِلَّا فَلَا
وَكَالْجُيُوشِ مِثَالٌ وَالْمِثَالُ فَلَا
حَصْرٌ بِهِ وَأَدَاةُ الْحَصْرِ مِمَّا جَلَا
وَشَرْطُ نِيَّتِنَا الْإِتْمَامَ قَدْ شُرِطَا
بِقُرَّةِ الْعَيْنِ لِلْبَادِي الَّذِي نَزَلَا
وَخَوْفُنَا مِنْ عَدُوٍّ قَدْ أَلَمَّ بِنَا
عُذْرٌ مَآلًا وَحَالًا لِمُقِيمٍ جَلَا
مِنْ بَعْدِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ الَّتِي قُصِدَتْ
وَالْخَوْفُ مُتَّصِلٌ وَمِنْهُ مَا انْفَصَلَا
وَقَالَ عَبْدُ الْإِلَهِ فِي نَوَازِلِهِ
قَصْرُ الْبَوَادِي إِذَنْ قَالَ بِهِ النُّبَلَا
وَالْجَكَنِيُّ الْأَمِينُ كَوْنُهُ قَطَنَا
فِي أَرْضِهِ دَهْرَهُ فِي الْقَصْرِ مَا عُذِلَا
ذَا مِنْ جَوَابِ سُؤَالِ سَائِلٍ سَأَلَا
يَكْفِي وَلَا حَوْلَ إِلَّا بِالْإِلَهِ وَلَا
لَكِنَّنِي لَسْتُ أَهْلًا لِلْجَوَابِ وَلَا
أَهْلًا لِنَشْرِ الْعُلُومِ لِلَّذِي سَأَلَا
وَلَا كَشَفْتُ جَمِيعَ الْكُتْبِ قَاطِبَةً
بَلَى وَلَا عُشْرَ عُشْرِهَا كَمَا فُعِلَا
الْحَمْدُ لِلَّهِ فِي بَدْئِي وَفِي خَتْمِي
ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى مَنْ خَتَمَ الرُّسُلَا
وتكشف هذه المساجلة عن تمكن الشاعرين من أدواتهما، كما تبرز قدرة أحمد المامي على توظيف الشعر في معالجة المسائل العلمية والفقهية، والجمع بين قوة الحجة وحسن الصياغة.
2. الشعر الحساني
أما في الشعر الحساني، فسأكتفي بإيراد نموذجين من نظمه.
النموذج الأول في «ابير اگلال»، حيث يقول:
بي ياسر ذا التو گاع
ما ظنيت اني صايب
بني لاه نبقي اذراع
والل نبق لعصايب
بي وكر التيوشات
خشم ادار ألمليزمات
وام أواجيل احنبزات
گابظ لعصايب قايب
تالب مالي والمال فات
بيه ارگيب امرور سايب
نايب لعصايب ما انبات
كون امفاتن وامعايب.
أما النموذج الثاني، فهو قوله في «لبتيت التام»:
شوف ازلي هزم للدلال
هي واعوينَ تل أسكي
مبعد فوكس من بولكلال
وازلي واعوينت تلسكي
شوفيلك يالعين اگدرنيت
والتيارت والتكوكيت
ملزم بوسيف اتاوشيت
عودانك عنهم تنحسك
لوجفت أبطحت تيلميت
اتبك غير ال مسك
يبرالي جرحك لا تميت
سالم يالعين افتيفسك.
وهكذا نكون قد وقفنا في هذه الحلقة عند جوانب من شخصية العلامة أحمد المامي ولد بيان، مستعرضين نسبه ومكانته العلمية والاجتماعية، وما امتاز به من فروسية ورحلة واهتمام بالمعرفة، فضلا عن حضوره الأدبي والشعري، في الفصيح والحساني.
على أن جوانب أخرى من سيرته، وما تركه من آثار، وما أنجبه من أبناء حملوا مشعل العلم والمعرفة، ستكون موضوع الحلقات القادمة بإذن الله.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.