د. إشيب ولد أباتي
لماذا يتجاهلون سؤال الوحدة السياسية في المغرب العربي؟
لقد سبق استقلال المغرب سنة ١٩٥٦، لاستقلال موريتانيا سنة ١٩٦٠م. وكل من الاستقلالين السياسيين، وافقت عليه فرنسا الامبريالية الفرنسية، وكانا خدعة لازالت تداعياتها تلقي ببراثينها، والكل يترنح في سجنه الكبيرالذي سيبقى مغلقا على الوحدات الاجتماعية الكبرى التي ضاقت ذرعا بسياسة الانظمة الفاسدة، والحل الذي للبد منه، خروج مجتمعاتنا العربية المغاربية من حالة " التكيف"، والقهر، لتفرض الاستقلال السياسي بكل مضامينه،،،
ولا يستغربن، أحد أن يخرج البعض عن التفكير المنطقي، فيطالب بأن يضحي بغيره في سبيل مواجهة تحديات العصر، وأن يجعل من نفسه، ومجتمعه، أسد الغابة،، على طريقة المجرم " ترامب" الذي يحتل الأوطان من أجل ثرواتها…
وكان الفارق بين الاستقلالين: في كل من المغرب، وموريتانيا ، ليس العامل الزمني في اربع سنوات فحسب، بل هناك نهضة فكرية منذ ستينيات القرن الماضي، وحراك سياسي في المغرب، كاد أن يفرض خياراته السياسية على النظام الملكي المغربي، ولعل الأخير، ألقى باخطائه على الاحزاب التي فرضها صوت الناخب المغربي، وحضوره بحثا عن سياسة عامة تلبي مطالبه اليومية ، وذلك في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية التي، لازالت حكومات الأحزاب السياسية، تنتخب، وتسقط دون ، أن تحقق مطالب المواطن المغربي..!
ولذلك يتطلع بعض السياسيين الدفعوعين من جهات معروفة إلى طرح موضوع " الضم" بواسطة الاحتلال العسكري، والانر يعني أن الدور جاء على موريتانيا بعد "حرب الرمال" مع الشقيقة الأخرى بدلا من التحضير للوحدة السياسية التي تمهد لتقاسم الثروات المعدنية التي جاد بها الله على موريتانيا، وهنا يفهم لما الحملات الاعلامية التي لا مقدمات لها، لأن الغرض منها عند "لوبيات"الدولة العميقة في المغرب، هو توجيه الرأي العام المغربي، نحو الطفرة الغازية التي لما ينعكس بعد ريعها على النظام السياسي الموريتاني، ومجتمعنا، وما شاع من الوعود المغرية التي يخطط لها في المستقبل القريب، إذا استطاع النظام تكبيل أيادي المفسدين، إلا أن نقمتها من خلال حملات التهديد المغربي، تسبق النعم المنتظرة من عائدات الغاز المالية، قبل أن يصل الريع المذكور الى الموريتانيين، فإذا بمن يريد أنتزاعه منهم..!
ولعل هذا التفسر الوحيد لتجديد الدعوة باسم مفكر موريتاني حاول دغدغة عواطف " الريسوني" العالم الديني، والمفترض أن يكون زهده في الدنيا، يوجهه إلى استحضار حامليه الى قبره، غير أنه بدلا من ذلك استغرق تفكيره في " حب الدنيا وطول الأمل"، وهذه من الخسائس "السريسونية،"- للأسف - ولسان حاله قائلا،" وما انا إلا من غزية، إن غزوت.." فغزوته، هي الدعاية، الموجهة للرأي العام المغربي إلهائه، وتوجيهه للحيلولة دون مطالبته للحكومة الجديدة في المغرب، استحقاقات الناخب المغربي …!
ونحن في موريتانيا بثقافتنا العربية الأصيلة، وتاريخنا المشترك مع ابناء المغرب العربي على حد سواء، تجمعنا وحدة الجغرافيا مع المغرب، والجزائر معا، فضلا عن صفحات مشرقة من تاريخ المرابطين، وهذا التراث يستنير به الوعي السياسي العام في موريتانيا.
وذلك، يدفعنا للاستجابة لكل نداء صادق، لضرورة الوحدة المغاربية، نظرا للتحديات المستجدة في القرن الواحد والعشرين الذي استأنفت فيه الامبريالية الامريكية حروبها الاستعمارية للغربيين في القرنين الثامن عشر، والتاسع عشر.
ولعل سبب ذلك الوعي التاريخي، وحضور التجربة التاريخية لقادتنا الوحدويين في الحقبة المرابطية الذين أقاموا وحدة سياسية مع المغرب، والجزائر، حيث شاع الفكر السياسي الإصلاحي حينئذ.
وقام بالدور القيادي الوحدوي كل من عبد الله بن ياسين، وأبو بكراللمتوني، ويوسف بن تاشفين..
وقامت دولة (المرابطون) لمدة قرن من الزمن الجميل، فوحدت بلادنا، والمغرب، والجزائر، والأندلس خلال القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي..
وكانت الوحدة السياسية في صالح المغرب الشقيق، ولعل الوعي بذلك، هو ما دعا، ويدعو دائما بعض الطامعين إلى تحسين الحال - وقد أصبح من المحال - إلى تكرار تلك التجربة التاريخية، لأنها وحدت المغرب سياسيا، وأدت الى النهضة فيه،على عهدي المرابطين، والموحدين، ذلك أن المغرب، كان ممزقا سياسيا منذ سقوط حكم الأدارسة.
وعاني من حكام الإمارات التي عاثت فسادا في المغرب، ولذلك، ندعو بالرحمة، لمن لبى نداء الواجب من الوحدويين من أجدادنا - رحمهم الله تعالى - لإنقاذ المغرب من حكامه، ومن ثم للدفاع عن الأندلس التي كانت تواجه حربا صليبية، تحت مسمى حرب " الاسترداد"..
وأي دعوة من مثقفي المغرب، أو من علمائه الدينيين، هي مؤطرة بتلك العلاقات التاريخية المجيدة، والانتظارات لإنقاذ المغرب من أوضاعه، وضمنها حكامه، ولعلهم من جملة التحديات التي تواجهه اليوم أكثر من أي وقت مضى، نظرا لسعار الدعوات المطالبة ب" الضم"- وهي دعوة صريحة للحروب البينية، والاحتلال العسكري المستحيل - التي أستنطق بها " الريسوني" عقله الباطني، أو وعيه الاستعدائي، أو نهم تطلعاته المتضورة لاشباعها من عائدات حقول الغاز الموريتاني حتى قبل أن تصل موريتانيا..!
وهذه معركة، ربما لا يكون المغرب الرسمي مسئولا عنها، لأنه في سجال لم ينته بعد مع لجنة الأمم المتحدة التي تصر على إنجاز مضمون "المادة الرابعة" في قانون الأمم حول قضية الصحراء، وكونها من اختصاصها في التخلص من الحقبة الاستعمارية، وآثارها رغم محاولة حكومة اسبانيا مؤخرا بعد ارسال اليها سبعين الف مهاجر، كادت ان تخرجها من الاتحاد الأوروبي،،لذلك قايضت المغرب بقرارها تجنيس الصحراويين ، وحولهم إلى مجتمع لاجئ، لإعادة النظر في قضيته، وتحويلها، الى قضية انسانية، تمهيدا لفرض عليه الحكم الذاتي الذي يطالب به المغرب..
ولهذه العقبات، بل العراقيل الممضة التي ستفني الأجيال دون أن تنعم مجتمعاتنا العربية بالأمن، والرخاء، والجيرة الحسنة، وتوجيه نضالات الأحزاب السياسية نحو الاستقلال بكل مضامينه الاجتماعية،،،!
إن الدعاية في وسائل التواصل الاجتماعي في المغرب، والتركيز على تسلح الجيش الموريتاني، لكون ذلك يستبعد رغبات " الريسوني"، في غزوة" الضم"، باعتبارها المنقذ للمغرب من أوجاعه التي تؤلمنا جميعا،، ولكن ما هكذا تراد الإبل إلى معاطنها،، فدعوة الريسوني، ستكون نحسا مؤكدا حين تمهد لخوض حرب، ستحرق الأخضر من "المغرب النافع"، ولا يعني ذلك أن موريتانيا، ستبلعها الرمال، أو سينجو جيش المغرب مما لحق بجيش السعديين سابقا.
وعلى الرغم من ذلك، فسنبقى متمسكين بمبادئنا في الوحدة السياسية الطوعية، والاستعداد لتقاسم الثروات من " الطماطم " في المغرب، والطاقة، ومعادن الذهب في موريتانيا، ولتصبح الأخير ممرا تجاريا كبيرا للمغرب، ليسهل على ابنائه التسوق في المجتمعات الافريقية، لكن لن تكون تلك الطرق ممهدة، ب حملة " الضم"، والاحتواء، والتسلح بالسلاح الامريكي، أو المسيرات المستوردة من الكيان الصهيوني…!
لقد حاول السعديون من قبل الضم بالقوة، وفشلوا، ولو حاول العلويين، فالنتيجة ستكون واحدة، نظرا لوحدة الوسيلة الخطأ.
إن الوحدة الاجتماعية، والثقافية والدينية، والجغرافية، والتاريخية قائمة منذ آلاف السنين، وكلها مشتركة بين أبناء الأمة العربية على حد سواء،،
وما لم تكن الوحدة السياسية طوعية، وعبر صناديق الاقتراع حول أي النظم السياسية يوحدنا سياسيا: النظام الجمهور، وتداول السلطة،، أو النظام الملكي، وتوارثها ، واعتبار شعوب المغرب العربي الكبير " رعية" ملكية، كقطيع الغنم..؟
أما القفز على ذلك، والتسلح بالمسيرات الصهيونية، فإنه يعني أن على موريتانيا، أن تدافع عن وحدتها الاجتماعية، ونظامها السياسي، ووحدتها الجغرافية دفاعا شرعيا، شرعته الديانات، والقوانين الوضعية..
وذلك تقريبا ليوم الوحدة العربية الكبرى، لما لها من مصالح تعود على ابناء المغرب العربي، وتحرر الوطن العربي من الاحتلال الصهيوني، والقواعد العسكرية الامريكية.. ولو اجتمعت الانظمة الفاسدة على دفعنا للحروب، كمنقذ لها، ورفعت دعواتها للوحدة ...
فالوحدة، ليس وسيلتها الإيجابية سياسة "الضم"، وتجييش الرأي العام، و توظيف الطبقة المسحوقة في الدعاية …!
إن الدعوة إلى الوحدة تكون بالحسنى، لأنها توحد، ولا تفرق، و تبني، ولا تدمر، وتؤاخي، ولا تورث الثارات التاريخية..
وهي تتطلب وعيا سياسيا، أنضج من الحملات المسعورة، والمطالب الشيطانية التي يروج لها في وسائل الدعاية من جهة، وتتلاقى مع تهور "الريسوني"، هذا المساكين، المصاب بالعقدة النفسية، لقد فقأت النظرة المركزية بصيرته، وهذا الاستعلاء الذي يتظاهر به، هو أقرب إلى المأثورة الشعرية لشاعر الأندلس (( ألقاب مملكة في غير موضعها..)).
ف"الريسوني"، ورهطه، يتطلعون إلى مصادر الطاقة، والمعادن في موريتانيا..!
أما إذا كنتم جادين، فهلم بنا لنحقق الوحدة المغاربية التي تمهد السبيل للوحدة العربية في الوطن العربي، ومن هنا سنكون، أول من يلبي نداء الوحدويين من أجل وحدة ثلاثية، تقام بين أقطار المغرب العربي ، ونحن على يقين، بأن الأصوات المرتفعة الآن، هي اصوات ناعبة، ومشبوهة، ومشوهة على التقارب السياسي الأخوي، لأنها ترتفع، ليس لمواجة التحديات تواجه الأمة في الإبادة الجماعية في غزة، والتهجير لابناء الضفة الغربية، أو الدفاع عن مقدسات الأمة في فلسطين، بل هي دعوات، لتوجيه الأنظار عن جرائم الصهيونية في فلسطين، والحرب بالإنابة على اليمن، و لبنان، وإيران.
فليقل المراءون ، ما شاءوا، فمطالبهم ، ب " الضم" استجداء،، تحت دافع وطأة سياسة الانظمة السياسية التابعة، لأن هجرة اربعة ملايين تقوض الانظمة، وتفكك المجتمعات، ولذلك لا بد من توجيه الرأي العام نحو بحيرة الغاز في موريتانيا، وصحرائها الذهبية، لكن لن تتحقق الوحدة الثنائية، أو الثلاثية، أو الرباعية دون الوعي السياسي العربي المغاربي الذي يحرر النخب المغاربية المريضة نفسيا بالأنانية، والتبعية للأنظمة الفاسدة، وهي نخب هجينة الوعي، علاوة على أنها مسكونة بمتلازمة " استكهولم"، في الدفاع عن سجانيها من أنظمة، قهرت مجتمعاتنا، وعاثت فسادا، ونهبا لثرات الأمة...
وقريبا سترحل، وقد حان الوقت للتخلص منها، لأنها منعت مجتمعات أمتنا من الوحدة السياسية التي كانت ستقضي على الظلم الاجتماعي، والقمع، والحيف الذي تحالفت مع الاستعمار عليه، واستمرأت التبعية للامبريالية الأمريكية، وثالثة الأثافي(التطبيع) الخياني الإجرامي مع الكيان الصهيوني.
وكان من سند الأنظمة السياسية الفاسدة، عبر حقب التاريخ المظلمة، أمثال مشاييخ الفتنة الذين وظفوا الشرع لعبادة الدرهم، وقياصرته،
وكانوا ولازالوا أسوأ رعاة للتخلف الاجتماعي، والثقافي، وليس مستغربا، أن توظفهم الامبريالية الامريكية مثل "الحاخامات" اليهودية في الترويج للديانة الوثنية المسماة، ب" الإبراهامية"، ولم يعوا، ما يقرؤون في القرآن الكريم عن إبراهيم عليه السلام :(( وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون..))..!
أما نحن الموريتانيين، فنؤكد لاصحاب العقول الناقصة، والأفئدة الفارغة، والأفواه الفاغرة، والدعوات المغرضة باسم (مفكر) باع نفسه للصهاينة، قبل أن يستنطقه "الريسوني" بما قال، وكل منهما مارس، ويمارس رذيلة السدانة لأنظمة التبعية…!
لذلك نقول لأبواق التفرقة في الحملات المغرضة في وسائل التواصل الاجتماعي، الذين تطاولوا علينا، بالاسماء الناقصة - دويلة شنقيط - لأن الناقص، لايصدر عنه إلا استنقاصا، ونقصا في الجبلة، او في الوعي…
ونؤكد بوعينا العربي التحرري، أن توظيف التجربة التاريخية على عهد (المرابطون)، لن يكون إلا استحقاقا لتلك الشروط التاريخية، والراهنة، ومنها:
على أي أساس يتوحد المغرب، وموريتانيا دون الجزائر التي ستجعل الوحدة الثلاثية سبيلا لوحدة المغرب العربي بانضمام كل من تونس، وليبيا..
إن موقع الجزائر وحده، يجعلها القاعدة الأساس للوحدة السياسية، والوحدة العسكرية، والوحدة الاقتصادية، فضلا عن حاضرها القريب المعمد بالدماء الزكية لملايين الشهداء من أجل الاستقلال، وتاريخها الثوري منذ الاحتلال الأغريقي..
إن هذه العوامل دون غيرها، لتؤهل الجزائر، لأن تتبوأ مكانتها في أي وحدة يراد لها أن تنظف مغربنا العربي من الفساد، والتبعية، والأنظمة السياسية التي يجب مواجهتها بشجاعة بدلا من الهروب من الواقع بهذه الطرق الارتدادية التي تدفع الجميع للحروب الإقليمية التي تعتاش عليها الانظمة الفاسدة في الوطن العربي، ..!
اشيب آباتي