حين يُستباح الحياء

حين يُستباح الحياء

ما بلغته بعض منصات التواصل الاجتماعي من التردّي والانحطاط، ومن ابتذال القول وتهافت الخطاب، لم يعد مجرد عارضٍ في هامش المشهد؛ بل غدا ظاهرةً تستوجب أن نرفع في وجهها الصوت، قبل أن تستفحل حتى تصبح مألوفة، وقبل أن يألف المجتمع القبح فيفقد حساسيته تجاهه.

دخلنا هذا الفضاء مكرهين لا أبطالًا، كما يدخل المرء بحرًا لا يعرف مَدَّه ولا جَزْرَه، ثم ما لبث أن اتسع حتى غدا فضاءً بلا أسوار، تُلقى فيه الكلمات جزافًا، وتُستباح فيه الحرمات بلا وَجَل، ويُرفع فيه الصخب حتى يختلط الحق بالهذر، والرأي بالهجاء، والجرأة بالسفاهة.

وليس أخطر ما في الأمر أن يختلف الناس؛ فالاختلاف سُنّة البشر، ولا يخيفني أن تتباين الآراء، أو تتعارض المواقف، أو تحتدم الحجج.
الذي يخيفني أن ينهار السقف الأخلاقي للخطاب، أن يصبح الفُحش قاموسًا، والبذاءة أداةً، والتشهير وسيلةً، والسخرية من الأعراض والأسرار نوعًا من الفروسية الرقمية!

أيُّ زمانٍ هذا الذي تُستبدل فيه مروءة اللسان بجسارة الابتذال، ووقار الكلمة بصفاقة العبارة، وحشمة المجتمع بنزق المنابر المفتوحة؟

لقد بلغ بعض النقاشات من السفول مبلغًا تُستحيا منه العبارة نفسها؛ ألفاظٌ كان الرجل يستنكف أن يجري بها لسانه في مجلس خاص، أصبحت تُلقى اليوم على الملأ بلا تورّع، وتتناقلها الصفحات، وتصفق لها التعليقات، وكأن كثرة المتابعين تمنح القبح صكَّ البراءة.

وهنا ينبغي أن نقولها بلا مواربة:

ليست كل جرأة شجاعة، وليست كل صراحة فضيلة، وليست كل كلمة صادمة حقيقة.

ثمة فرق هائل بين أن تقول ما تعتقد، وأن تتخذ من الإساءة مذهبًا؛ بين أن تنتقد، وأن تبتذل؛ بين أن تجادل، وأن تهتك؛ بين أن ترفع صوت الحجة، وأن تخفض مستوى الإنسان.

إننا لا نخسر فقط أدب الحوار؛ نحن نخاطر بخسارة شيء أعمق: مناعة المجتمع الأخلاقية.
فاللغة ليست مجرد ألفاظ تُلقى ثم تنقضي. اللغة تربية، واللغة قدوة، واللغة مرآة لما يستقر في النفوس.

أبناؤنا يرون. أبناؤنا يقرأون. أبناؤنا يقلدون.

وإذا ظللنا نعرض أمامهم هذا السيل العكر من الخصومات، وهذا الغثاء اللفظي، وهذه الجرأة المنفلتة من كل عقال، فكيف نطلب منهم غدًا أدبًا لم نعلّمهم إياه؟ وكيف نطالبهم باحترام الكبير، وصون حرمة الأسرة، وغض الطرف، وحفظ اللسان، وهم يرون بعض من يفترض فيهم القدوة يحطمون هذه القيم أمام أعينهم، ثم يفاخرون بذلك؟

الأسرة ليست ساحةً مستباحة.

ليست أعراض الناس مادةً للتسلية، ولا خصوصيات البيوت غنيمةً لمن يبحث عن التفاعل، ولا كرامة الإنسان سلعةً في سوق المشاهدات.

إن الأسرة هي العُروة الأولى التي ينتظم بها نسيج المجتمع؛ فإذا عبثنا بها، فإننا لا نمزق ستارًا رقيقًا، بل نعبث بنسيج كامل.

نحن مجتمع له سُؤددُه الأخلاقي، وحشمته، ومروءته، وأعرافه التي صقلتها أجيال. مجتمعٌ كان للكبير فيه مقام، وللصغير رعاية، وللجار حرمة، وللأسرة حجابها المعنوي، وللكلمة ميزانها.

فكيف نقبل اليوم أن تتحول بعض المنصات إلى مَسارح للتهتك اللفظي، وأن تُستدعى إليها ألفاظ تُدنس السمع، وتخدش الحياء، وتسوّغ للصغار أن يظنوا أن هذا هو وجه الحياة؟
إنها شظايا في جدار الحياء العام. وما يزعجني فيها ليس وقعها على آذاننا نحن فقط، بل أن يسمعها جيل لم يكتمل عوده بعد، فيظن أن ما كان يُستقبح بالأمس أصبح اليوم لغةً مشروعة، وهنا الخطر!

فالفساد الأخلاقي لا يبدأ دائمًا بفعلٍ عظيم؛ قد يبدأ بكلمة استُسهِلت، ثم عبارة استُبيحت، ثم قبحٍ تكرر حتى ألفته الآذان، ثم انحطاطٍ صار مألوفًا، ثم مجتمعٍ لم يعد يستنكر شيئًا.
وأخطر مراحل الانحدار؛ أن يصبح القبيح عاديًا.
لقد اجتاحنا هذا التدفق الهائل من الكلام والصور والمواقف على غِرّة، ولم نمتلك بعدُ الأدوات الكافية لفرز الغث من السمين، ولا لتعليم أبنائنا كيف يعبرون هذا البحر المضطرب دون أن تبتلعهم أمواجه.

لكن عجزنا عن إيقاف السيل لا يعني عجزنا عن تهذيب السلوك في مجراه.

لسنا مطالبين بأن نصادر المنصات، ولا أن نخنق حرية التعبير، ولا أن نعيد عقارب الزمن إلى الوراء.
نحن مطالبون بشيء أبسط وأصعب في آن:
أن نستعيد سلطان الضمير، أن يتذكر المرء، قبل أن يكتب، أن وراء الشاشة إنسانًا، وأن وراء الإنسان أسرةً، وأن وراء الأسرة كرامة، وأن الكلمة إذا خرجت من فم صاحبها قد تنتهي في لحظتها، أما إذا خرجت إلى الفضاء الرقمي فقد تعيش أطول من صاحبها.
لنكن أحرارًا في آرائنا، لكن أمناء على ألسنتنا.
لنختلف بشدة، دون أن نتدنى.
لننتقد بلا تملق، دون أن نفتك بحرمة.
لنغضب، دون أن نفقد مروءتنا.
ولنقل ما نشاء، ولكن لنتذكر أن الإنسان قد ينتصر في معركة كلامية ويخسر نفسه في الطريق إليها.
إنني لا أكتب هذه الكلمات ترفًا، ولا أبحث عن موعظة عابرة. بل أكتبها لأنني أخشى أن يأتي يومٌ يصبح فيه الحياء غريبًا في وطنه، والأدب نشازًا في مجلسه، والوقار تهمة، والبذاءة هي اللغة الغالبة، وحينها لن تكون المشكلة في منصات التواصل، بل فينا نحن.

فاحذروا أن نصل إلى اليوم الذي لا يعود فيه المجتمع يستنكر القبح، لأن القبح حين يُستأنس به مرةً بعد مرة، لا يبقى قبحًا في عين صاحبه؛ يتحول إلى عادة، ثم إلى ثقافة، ثم إلى قدر.
وما نراه اليوم ليس قدرًا.
إنه انحدار يمكن أن نوقفه، إذا امتلكنا شجاعة أن نقول: كفى.
كفى ابتذالا.
كفى هتكا للحرمات.
كفى لأن نترك أبناءنا يتعلمون من أسوأ ما فينا.
فليس كل ما تستطيع التفوه به جديرًا بأن يُقال، وليس كل ما تستطيع أن تكتبه جديرًا بأن يُقرأ، وليس كل ما يجلب التصفيق جديرًا بأن يبقى.
هناك أشياء يحرسها الصمت، وأشياء تصونها المروءة، وأشياء لا يليق بالرجل أن يقولها، مهما اتسعت أمامه المنابر.

سيد ولد النمين