شهادة من القلب: خمس عشرة دقيقة صنعت الفارق

شهادة من القلب: خمس عشرة دقيقة صنعت الفارق

هناك ليالٍ تمرّ في حياة الإنسان ثم تُنسى، وهناك ليالٍ تبقى محفورة في الذاكرة لأنها تضعه، في لحظات قليلة، وجهاً لوجه أمام هشاشة الحياة وقيمة الزمن.
كانت ليلتي تلك يوم 26 أغسطس 2026.
في حدود الساعة العاشرة ليلاً، وصلت إلى المركز الوطني لأمراض القلب (CNC) وأنا أعاني ألماً شديداً في الصدر، ألماً عميقاً ومستمراً يكاد لا يُحتمل، مصحوباً بتعرق غزير. كانت لحظات صعبة، اختلط فيها الألم بالخوف، ولم أكن أعرف حينها إلى أين ستقودني الدقائق التالية.
لكن منذ وصولي إلى المركز، بدأ شيء آخر لفت انتباهي رغم شدة ما كنت أعانيه: السرعة الاستثنائية في التكفل بي.
لم أجد انتظاراً طويلاً، ولا تردداً، ولا تلك الحلقة المرهقة من الإجراءات التي يخشاها المريض وهو في حالة استعجال. تحرك الأطباء والممرضون بسرعة وانضباط، وأُجريت الفحوص الضرورية، واتُّخذ القرار الطبي دون إضاعة للوقت.
وفي غضون نحو خمس عشرة دقيقة فقط من وصولي إلى المركز، كنت في طريقـي إلى التدخل الطبي العاجل.
وقد خضعت لـ عملية قسطرة علاجية للشرايين التاجية (رأب الأوعية التاجية)، تم خلالها فتح الشرايين المتضيقة وتركيب ثلاث دعامات قلبية (Stents) لإعادة تدفق الدم بصورة طبيعية.
وهنا لا يمكنني أن أتحدث عن تلك الليلة دون أن أذكر بكل تقدير الطبيب الشاب الدكتور الخليل ولد الشيخ سيديا، الذي وجدت فيه، وأنا في واحدة من أصعب لحظات حياتي، الطبيب المقتدر، والكفء، والهادئ، والخلوق.
كانت كفاءته المهنية واضحة، لكن ما يبقى في ذاكرة المريض إلى جانب الكفاءة هو الجانب الإنساني: طريقة الحديث، والطمأنة، والثقة التي يمنحها الطبيب لمريض يوجد في لحظة خوف وألم.
وأقولها كما شعرت بها آنذاك: خُيّل إليّ للحظات أنني أتلقى العلاج خارج البلاد.
ليس في هذه العبارة أي انتقاص من وطني؛ بل على العكس تماماً. إنها تعبير عن اعتزازي بأنني وجدت هنا، في موريتانيا، وفي مؤسسة صحية وطنية، مستوى من التنظيم والسرعة والكفاءة وحسن المعاملة كنت أظن أننا لا نصادفه بهذه الصورة إلا في مؤسسات صحية خارج البلاد.
والفارق الذي شعرت به لم يكن في الطبيب وحده، بل في منظومة كاملة: طبيب يقرر بسرعة، وممرض يتحرك دون تأخير، وفني يعرف مهمته، وطاقم يعمل بتناسق، ومؤسسة تدرك أن مريض القلب لا يملك ترف الانتظار.
خمس عشرة دقيقة فقط فصلت بين وصولي وأنا أتألم وبين بدء التدخل الذي كنت في أمسّ الحاجة إليه.
ومن عاش مثل هذه اللحظة يعرف أن خمس عشرة دقيقة ليست مجرد رقم؛ ففي أمراض القلب، قد تصبح الدقيقة جزءاً من العلاج، وقد تصنع سرعة القرار الفارق بين مسارين مختلفين تماماً.
لقد علمتني هذه التجربة أيضاً شيئاً مهماً: نحن نسارع ـ وعن حق ـ إلى الحديث عن أوجه التقصير في مؤسساتنا، لكن العدل يقتضي أن نتحدث بالوضوح نفسه عندما نجد النجاح والتميز.
وما رأيته في المركز الوطني لأمراض القلب يستحق أن يُقال عنه: هذا نموذج موريتاني ناجح ينبغي أن نحافظ عليه، وأن نعممه، وأن نفتخر به.
فشكراً للدكتور الخليل ولد الشيخ سيديا على كفاءته وأخلاقه وإنسانيته، وشكراً للأطباء والممرضين والفنيين وكل من شارك في التكفل بي منذ اللحظة الأولى وحتى استقرار حالتي.
لقد دخلت المركز تلك الليلة وأنا أحمل ألماً لا يُطاق وخوفاً مما قد تحمله اللحظات القادمة، وخرجت منه، بعد فضل الله، أحمل ثلاث دعامات في شرايين قلبي، وامتناناً كبيراً في قلبي لكل من أسهم في علاجي.
وخرجت كذلك بقناعة أعتز بها:
حين تتوفر الكفاءة، والتنظيم، والإحساس بالمسؤولية، واحترام قيمة الوقت وحياة الإنسان، فإن أبناء هذا الوطن قادرون على تقديم طب نفتخر به، دون أن نحتاج إلى السفر آلاف الكيلومترات بحثاً عن الجودة.
وهذه شهادتي، أقولها لا مجاملة لأحد، وإنما وفاءً للحقيقة وإنصافاً لمن أحسنوا إليّ في ساعة كان إحسانهم فيها يعني لي الكثير.

هارون ولد الرباني