العدالة مكسب والظلم ظلمات.. حين ينتصر الحق ويهزم الظلم بقلم الأستاذ: يسلم ولد بيان


العدالة مكسب، وهي من شيم الرجولة والشجاعة، وعاقبتها محمودة، أما الظلم فهو ظلمات، ومن شيم الجبن والنفاق والخداع، وعاقبته وخيمة مهما طال أمده.
وقد حرّم الله سبحانه وتعالى الظلم على نفسه، وجعله محرّمًا بين عباده، ففي الحديث القدسي: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا».
ولذلك لم يكن العدل يومًا مجرد قيمة أخلاقية، بل هو أساس استقامة المجتمعات واستمرار الدول واستقرار الأمم. فبتتبع صفحات التاريخ، نجد أن الملك لا يستتب إلا بالعدل، وأن الرخاء يعم حين يأمن الناس على حقوقهم، بينما يذهب الظلم بأهله، ويجعل نهايتهم عبرة لمن يعتبر.
"عمر بن عبد العزيز.. عدالة لا تعرف الانتقام"
ومن أروع ما يُروى في هذا الباب قصة الخليفة عمر بن عبد العزيز، حين جاءه أعرابي يحمل حاجته مكتوبة في جلد شاة، فمنعه بعض من حول الخليفة من الوصول إليه.
فانتظر الأعرابي حتى خرج عمر، ثم رماه بالجلد على وجهه، فسالت الدماء من وجه الخليفة. ومع ذلك لم يأمر بمعاقبته، بل مسح الدماء، وقرأ حاجته، ثم أمر بقضائها، وألا يُمسّ الرجل بسوء.
تلك هي العدالة في أسمى صورها: أن يملك الإنسان القدرة على الانتقام، ثم يختار العفو والإنصاف.
"عمر بن الخطاب.. لا خير فينا إن لم نسمعها"
ولنا في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مثال آخر على شجاعة الحاكم العادل.
فحين قال له أحد الأعراب: «اتق الله يا عمر»، أنكر عليه بعض الحاضرين كلامه، فقال عمر رضي الله عنه:
«دعوه، لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها».
إنها ثقافة العدل التي تجعل الحاكم مستعدًا لسماع كلمة الحق، مهما كانت قاسية، لأن بقاء الأمم لا يكون بالخوف من الحاكم، وإنما بإقامة العدل وقبول النصيحة.
"الظلم لا يدوم"
أما الظالم، فقد يظن أن قوته ستحميه، وأن نفوذه سيمنعه من الحساب، لكنه ينسى أن للظلم نهاية، وأن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
وقد عبّر الشعراء عن ذلك بقولهم:
خف دعوة المظلوم فهي سريعةٌ
طلعت فجاءت بالعذاب النازل
وتُروى في هذا السياق حكاية عن الإمام الدسوقي، حين ظُلم في قطيع من الإبل، وقيل إنه أرسل إلى من اعتدى عليه أبياتًا تحذّر من عاقبة الظلم، ومنها:
سهام الليل صائبة المرامي
إذا وُتِرَت بأوتار الخشوع
يصوّبها إلى المرمى رجالٌ
يطيلون السجود مع الركوع
بألسنةٍ تهمهم في دعاءٍ
وأجفانٍ تفيض من الدموع
إذا وُتِرنَ ثم رمين سهمًا
فما يغني التحصّن بالدروع
وسواء صحت تفاصيل هذه الحكاية أم كانت من القصص التي تناقلها الناس للعبرة، فإن معناها يظل حاضرًا: لا ينبغي للإنسان أن يستهين بحقوق الآخرين، ولا أن يظن أن الظلم يمكن أن يستمر إلى الأبد.
"العدل شجاعة"
إن العدل ليس ضعفًا، كما أن التسامح ليس جبنًا. بل إن من أقوى الناس من يستطيع أن ينتصر لنفسه ثم يختار الإنصاف، ومن أشجع الناس من يقف مع الحق ولو كان الحق عليه.
فيا من ولي أمرًا من أمور الناس، صغيرًا كان أو كبيرًا: اعدل، فإن العدل أمان، والظلم هلاك.
ويا من وقع عليه الظلم: لا تيأس، فربّ مظلوم أنصفه الله بعد حين، وربّ ظالم ظن أن قوته تحميه، فإذا به يهلك بما صنعت يداه.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل العدل والإنصاف، وأن يجيرنا من الظلم وعاقبته، وأن يجنّبنا دعوة المظلومين.