الفقراء لا يأكلون الفصاحة والبلاغة،
ولا يشربون التضمين، والجناس..
ولا يلبسون بحور الشعر...
الفقراء لا يَتَوَقَّون الحر بمقامات الحريري وديوان "قالت لي السمراء"..
ولا يشترون دواء أمهاتهم بديوان امحمد ولد الطلبه، وخطب قس بن ساعدة،،
الفقراء لا يخصفون نعالهم بكتب الطب، والفيزيا، ونظريات الفلسفة الوضعية، ومخرجات مؤتمر باندونك، الفقراء لا يشترون حليب أطفالهم برسالة الغفران، وديوان الشيخ ولد مكي..
الفقراء لا يوقفون عواء أمعائهم ب:
قولي أحبك كي تصير أصابعي
ذهبا وتصبح جبهتي قنديلا.
كل البلاغات الشعبية، والعربية، والعالمية، وكل دور النشر والخياطة، والصناعة والصياغة والفتيا، وكل نوافير اللغو الفائض من شفاهنا لا تسد الثقب الصغير في سقف عريش خشبي يسكنه بائس، ولا تنفخ عجلة عربة الحمار التي يركبها صغيره صباح شتاء قارس ليجلب له ثمن غدائه من حمل بضاعة المُنَعَّمين...
الفقراء لا يأكلون المد، والإمالة، والترخيم..
ولا يتدثرون بالبناء، والإعراب، وعلامات الترقيم...
ولا يسكنون آلامهم بمعادلات الدرجة الأولى، والتناسب بين السرعة والوزن..
الفقراء لا يشبعون بحروف التنفيس، والقياس، والتعليل...
صوت الفقير..
أعطني كسرة وكأس حليب
واقتل الصرف واقتل الإعرابا
أعطني تمرة ونصف رغيف
وامدح الروم والعن الأعرابا
أعطني مُدًّا من شعير وماءً
واذبح العين إن تشأ والكتابا
أنا غرثان كيف أقرأ حرفا
أو أروم الحساب والآدابا
كيف أبغي العلوم والجوع خصمي
أوَ ما ظَلَّ للورى غلَّابا
كيف أهوى التاريخ؟ أهوى عدوا؟
داس رأسي وغلق الأبوابا
كم يتيمٍ يبيت طاويَ خمس
يتوارى كي لا يرى الأصحابا
يأكل البردُ جسمَه والسوافي
حوَّل البؤس عيشَه أوصابا
كلما أومض الهناء لقوم
جرَّعته الأيام حزنا وصابا
تِرْبُه يغدو للدروس ويُمسي
هو في الغاب بائعا حطابا
أمه في الطابور واليأس باد
تجلد الشمس ظهرها والإهابا
تسأل المتخمين حفنة أرز
يؤثرون العرا بها والكلابا
يشرق الفجر واعدا بالأماني
وصباح الفقير يبقى عذابا
فيرى المترفون فينا رخاء
ويرى المعدمون منا سرابا
كيف نحيا والعيش صار سماء
وجيوب الشعوب ظلت ترابا
المرتضى محمد أشفاق