معادلة الفناء
"نحن مصنوعون من الفناء.. ولا ندرك الأشياء إلا في لحظة فنائها"
مصطفى محمود
مقولة غارقة في قلق الفلسفة، تضعنا وجها لوجه أمام السؤال الأكثر استعصاء: ما حقيقة الأشياء في هذا السديم الممتد من الزمن؟
نحن عابرون في زمن لا يتوقف، نحمل في داخلنا بذرة النهاية منذ لحظة البداية، ونمضي نحو الغياب ونحن نحاول أن نمنح وجودنا معنى. وربما كانت معادلة الفناء هي المفارقة الكبرى: أننا لا نعرف قيمة ما نملك إلا عند فقدانه، ولا ندرك قيمة اللحظة إلا عندما يصبح سنامها للذكرى وغاربها.
يقول الهادي ولد بدّي العلوي:
لابد أن سيقولُ يوما قائل :: في عدّه من مات، ماتَ الهادي
قال أحمد بن الأمين في كتابه "الوسيط في تراجم أدباء شنقيط":
" الهادي بن محمدي .. كان فقيها محققا وخنديذا مفلقا، رزق فهما ثاقبا ورأيا صائبا، أحد الرواة المتقنين والعباد الناسكين، كان موجودا في أيامنا هذه، وبلغنا موته ونحن بدمشق سنة تسع عشرة وثلاثمائة وألف".
يبدأ الإنسان العروج في مدارج العمر، يبلغ الأربعين وهي الأشد عند بعض المفسرين "حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة"، وقيل هي النذير في قوله تعالى:
" أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ"
وَمَاذَا يُدْرِكُ الشُّـعَرَاءُ مِنِّي :: وَقَدْ جَـاوَزْتُ حَـدَّ الأرْبعِين
ثم يبلغ الخمسين وهي الدهر.
ويبلغ الستين وهي إدبار القوة.
ويبلغ السبعين وهي الحقب.
والثمانين وهي الهرم.
والتسعين وهي الفناء.
فإذا بلغ المئة سمي " حبيس الله في الأرض".
50
كتب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم إني وإياك لِدةٌ، وإنَّ امرءاً قد سار خمسين حجَّةً إلى منهل لقمنٌ أن يرده.
قال الحسن البصري: ما وعظني شيء مثلما وعظني كلام للحجاج في خطبته:
"إنّ امرأً من خمسين حجة يرد ماءً لقريب الورود.
يقول أبو العتاهية:
وإن امرأ قد سار خمسين حجة :: إلى منهل من ورده لقريب
60
عَنْ أبي هُريرةَ - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعذرَ اللهُ إلى امرئ أخَّر أجلَه حتى بلغَ ستِّين سنةً» رواه البخاري.
يقول عبد الرزاق عبد الواحد:
يطوي إليكِ مدى ستّين موحشةً :: ترى عرَفتِيهِ يا شطآن ميسانِ؟!
70
ويقول عبد الرزاق عبد الواحد:
يامُسْرِعَ الخَطـْو لـِلسَّـبعِـين، أوجَعُها :: أنَّ الطـُّفـُولَة ما زُمـَّتْ حـَقائـبُـها
مازال فينا أخو لثغ تُشاغبه :: وما يزال بنا طفلٌ يشاغبًها
إذا به فجأة شيخا يمرّ بها :: على حياء فتُبكيه ملاعبُها
نكاد نـبكي عـلى ساعات وَحْـشتنا :: لو نحو ذاك الشجَى عادت عقاربها
80
يقول هنري ميلر
"إن بلغت الثمانين ولم تكن مقعدًا أو عاجزًا، تملك صحتك، وتستمتع بنزهة سير جيدة، ووجبة جيدة، وتستطيع النوم دون تناول حبّة كل ليلة، ولا تزال الطيور والأزهار، الجبال والبحر، تلهمك، فأنت من أكثر الأفراد حظًا وعليك أن تجثو على ركبتيك كل صباح ومساء لتشكر الإله على حفظه ورعايته.
ويقول عَوف بن مُحـلِّـم الخُزاعي:
إن الثمانين – وبُلِّـغْـتَـها- :: قد أحوجتْ سمعي إلى ترجُمانْ
90
ويقول المختار ولد حامد في رحيل بعض لداته :
بقينا بعدهم نفرا ضعافا :: بنى تسعين كاملة تُعدُ
وما ندرى متى أو كيف يوما :: لـ (ما لابد منه) لنا، نُردُ
وهو إسقاط على قول طرفة بن العبد حين قدّم ليُصلب:
إذا جاء ما لا بد منه، فمرحبا :: به حينَ يأتي لا كِذابٌ ولا عِلَل
والانسان في رحلة عد تنازلي مع الزمن يقول طرفة :
أرى العيش كنزا ناقصا كل ليلة :: وما تنقص الأيام والدهر يَنْفَـدِ
لعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتى :: لكالطول المرخى وثنياه باليد
ويأتي النذير في لغن :
ربّ تايب لك وأغفرلِ :: موتِ ظهرتْ علاماتُ
گومِ ماتُ والگومْ إلّ :: فالسنْ إلّ تحتِ ماتُ
ويقول القاضي سيداتي ولد حمادي الغلاوي:
تگلاب الدهر إبانْ ظرك :: متعدِي فيه الحيلَ
ذاك التّجالْ و ذاك حنكْ ::أعرّام و لعزيلَ
أسكِ مفات امن اطبول :: بين الكركارْ ؤ بِطبول
و اركاب الدهر إلي اتصول :: كل انهار او كل ليلَ
وأشعار اتجي و اجميع هول :: هومَ واغيود النيلَ
و عالم ملان وارسول :: والجماعه لفضيلَ
عن عاد اعليّ فرظ ڭول :: عن ذي الدنيَ ثقيلَ
و يلاّلِ مذَ فات مات :: من لبطال و لمهيدنات
و اسكِ يذ من عام فات :: و اشهر و اسبوع ءُ ليلَ
بين الر گ و لمبيرات :: وأعرّامْ ءُ لعزيلَ
فامش الهُـوينا ان هـذا الثرى :: من أعين ساحرة الاحورار
يقول محمد ولد آدبه في استشعار الفناء:
نعرف عني گطيت ابغيت :: الغيد ؤ غنيت افلبتيت
وافــلشوار امَّــل غنَّـيـتْ :: وافلبلادْ ارتدْ اغنـــايَ
واليومْ اعلَ راصِ وليتْ :: سابگ ما جاتْ المَنـايَ
أغـفرلِ محَـدِّ مــوجـــودْ :: اغنايَ ينگالْ احــذايَ
واغفرلِ زادْ امنينْ انْعودْ :: اغنايَ ينگالْ أورايَ
ويقول سيدي محمد ولد الگصرى:
نَعْرَفْ بُنَايَ كَانِتْ هُونْ :: دَهْرْ ابْعِيدْ أُمِنْ هُونْ أدُونْ
ألَّ عَادِتْ بَاطْ اجْدِرْ بُونْ :: أعَكْبِتْ عَادِتْ تُنْبُصْكََاي
وافْرَغْ هَذَا كَامِلْ يَكُونْ :: اجدير أُنِبْتْتْ صِدْرَايَ
مَاهِ بُنَايَ بَاطْ اللهْ :: يَكْطَعْ بالدِّنْيَا خَلاَّي
مَعْوَدْ لاَمِتْهَا والتِّنْزَاهْ :: اعْكُوبِتْهم رَدْ ارْوَايَ
ويقول المصطفى ولد أشفغ أعمر :
حاجلك دهرك فالعسكر :: واستطفيل، ؤ دهرك فاندر
ذاك امنين، ؤ سهوت لبحر :: ذاك امنين، ؤعمان السيلْ
ذاك امنين، ؤ دهرك لوخر :: ذاك امنين احنَ في انجرميل
فكر يول أشفغ أعمر :: وأعرف عنك ماتتيت اطفيل
خاظ اعليك الصبح ؤ وَلّ :: ؤ خاظ اعليك الزوال اگبيل
ؤ يالطيف العصر إصّل :: ءُلاتَ گدامك كون الليل
ويقول ولد بُباجَ التنواجيوي:
خبرْ التكفايَ صحيح :: باجدرهَ نعرفهَ والريح
اعليه تتگرع واتميح :: كفته خظرَ والنوار
گادره ما متهوم إطّيح :: والخلق أمواسيه عقار
وأ ژوان اموگف لبريح :: افظل اظحاهَ كل انهار
وإلين إزول الظل إبيح :: بيگِ يُفاوت بالتصبار
واتلاويح الخيل اتلاويح :: غير الرحالَ ماهْ أعمــار
من تصريف الحي الرؤوف :: شـوف التكفايَ قِفــار
أ ژربه گبلته منسوف :: واجدرهَ عاد افبل غار
واجماعته متات أتشوف :: عينك منه رداد أخبار
ويقول أحمدو سالم ولد بلّيلّي
اعرفت اليوم ان المصير:: الفنا من عدل البصير
جيت اگبيل امخوشمْ لعصير :: انتينو واكصيرْ النخلَ
وألا شفت انتينو واكـصير :: النخلَ من لغلال اخلَ
وانَ نعرف لغلال ازمان :: انـتـيـنـو منهم ما يخـلَ
واكصير النخله منهم كان :: ما يخلَ، غير الخلق اخلَ
ويقول محمد ولد ميصارَ :
يعگل هاذ تِنْ زيدان :: ءُ ذاك اربيگ الخرفان ايبان
ء هاذ تَعْبَ بين الحسيان :: ءُ ذ بل امنين العگل إرْبَ
فاديار الطرب وَدَيدان :: الطرب واطريّگ يَربَ
مدهوكَ والحيوان إرژانْ :: اسمانْ ءُلاتورَ جدبَ
ء لشجار الزينَ والفرگان :: إگران ألا ركبَ ركبَ
سبحانك يالحي المنان :: معود هاذِ الدنيَ كذبَ
ماتْ اصدر تنْ زيدان إلكان :: ءُ عاد امزارك، ژربَ ژربَ
ءُعادت تغبَ هاذ لوان :: تنْ زيدان، ءُ عادت تعبَ
تغبَ، كيفْ اربيگ الخرفان :: ما كان أصلا يغبَ، واغبَ
بل الفرگان ابگ قفار :: والحيوان ءُ بلْ الطربَ
هاذَ مات، ءُ ماتت لشجار :: ءُ ماتت گاع اطريگ يربَ
يقول الأديب إسماعيل ولد محمد يحظيه عن فناء الأجيال وتوالي الحقب وصمود ذلك المشبوح نديم الزمان:
يلالى يذ من لعمار :: گط أخلگ وافرغ من لعمار
ؤمذ گط انبت من لخظار :: وانشاف أمن أشود ءُ لبلوح
ؤمذ گط أنبع من لگرار:: ءُ مذ گط انبغ من مَ نوح
ءُ مذ گط أفيدد من نار :: و أسيل من دم المسفوح
ؤمذ گط اصهر من لعصار :: يتنيمش فيدين المشبوح
مافيهم شمل اتل ملتم :: ءُعادت منهم لوكار اتفوح
ءُ فرغت گوم المشبوح ءُتم :: المشبوح افبلو مشبوح
كامل الود
سيد محمد