كثيرٌ من الشباب يسأل نفسه:
ما هو المشروع الذي سأكرس له سنوات عمري؟
والجواب عن هذا السؤال أخطر من السؤال عن الوظيفة، أو الراتب، أو التخصص.
لأن الإنسان قد ينجح في مشروعه...
ثم يكتشف بعد عشرين عامًا أنه كان يصعد السلم الخطأ.
لقد أصبحنا نعيش في زمنٍ يُعظِّم كل مشروع يحقق الشهرة، أو المال، أو كثرة المتابعين، حتى أصبح بعض الشباب يظن أن قيمة المشروع تُقاس بحجم الضجيج الذي يحدثه.
لكن القرآن يعلِّمنا معيارًا آخر.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
تأمل...
لم يقل: الناجحين.
ولم يقل: الأغنياء.
ولا قال: المشهورين.
بل قال:
﴿الْمُصْلِحِينَ﴾.
وكأن القيمة الحقيقية لأي مشروع ليست فيما يعود على صاحبه وحده، بل فيما يتركه من خيرٍ في حياة الناس.
ولهذا، فإن المشروع الشبابي الحق لا يبدأ بسؤال:
كيف أصبح معروفًا؟
بل يبدأ بسؤال:
أيُّ ثغرٍ يحتاجني؟
فقد يكون ثغرك تعليم طفل.
أو إصلاح أسرة.
أو بناء مؤسسة نافعة.
أو نشر علم.
أو علاج مريض.
أو إنشاء مشروع يوفر فرص عمل للشباب.
أو الدفاع عن قيمةٍ أخلاقية بدأت تضعف في المجتمع.
فالرسالة لا تُقاس بحجمها في أعين الناس، وإنما بصدقها، وبقدر ما تدفع شرًّا أو تجلب خيرًا.
وليس كل مشروعٍ كبيرٍ عظيمًا...
كما أن كثيرًا من المشروعات الصغيرة غيّرت وجه التاريخ.
لقد بدأ تعليم النبي ﷺ في دار الأرقم بعددٍ قليل من الرجال...
لكن الله غيّر بهم العالم.
ولم يبدأ الإصلاح الإسلامي بحشودٍ غفيرة...
بل بقلوبٍ امتلأت بالوحي، ثم حملت همَّ الناس قبل همِّ نفسها.
ولهذا، فإن أخطر ما يواجه الشباب اليوم ليس قلة الفرص...
بل كثرة المشاريع التي تستهلك أعمارهم، ولا تترك بعدهم أثرًا.
إن العمر أقصر من أن يُنفق في مطاردة كل جديد.
وأثمن من أن يُستهلك في صناعة صورةٍ براقة لا تخدم حقًا، ولا ترفع باطلًا.
فإذا أراد الشاب أن يعرف قيمة مشروعه، فليسأل نفسه سؤالًا واحدًا:
لو متُّ غدًا... ماذا سيبقى من هذا المشروع؟
فإن كان سيبقى علمٌ يُنتفع به، أو إنسانٌ أصلحته، أو قيمةٌ أحييتها، أو بابُ خيرٍ فتحته...
فذلك مشروعٌ يستحق أن يُعاش له.
أما ما ينتهي بانتهاء صاحبه...
فهو تجارةٌ مع الزمن، لا رسالةٌ للحياة.
د. عبد الكريم بكار