عندي رواية 'مرده'... ماهي ذيك"
على سفح الجبل "البطنان"، يتنفس الطلح رائحة الخريف الماطر. السحب الثقال "خروفات" تلامس القمم، وفي الوادي الأسفل، يشد الوالد حزام الراحلة "إيشد الراحلة"؛ جمل من نسل "أمينگ" صلد كالصخر. إلى جانبه، الظبية والمزود فارغان ينتظران بركة المدينة البعيدة.
وداعٌ حار. دعوات الزوجة، وتأمين الأولاد، ثم الأذان في الأثر.
تمضي الأيام. في صمت الأودية، غرق الرجل في تأملات الضحى و يتلو سورا من القرآن ، فلم يرَ ما رأى الجمل. ارتعد السليل كأنما لفحته نار، انفلت "أجْفل"، وطار "البجاوي" في الهواء. سقط كالجذع، وغاب وعيه، بينما ابتلع الغبارُ جمله وبضاعته ونقوده.
مرّ به ركبان "بجوان"، عرفوه، حملوه، وداووا كسره. وبعد الشفاء، أهدوه راحلة يعود بها إلى أهله.
في المخيم، تمدد الغياب كالسكين. وإلى جوارهم، كان جارهم "إزور الحلة والل يگطع الواد" يطرق خيمتهم عند كل غروب، يتلو عليهم نبوءاتٍ مفبركة: "رأيته في السوق، يملأ المزود ويرصف الخنط". فيُغدونَه ويُعشونَه، يتجرّعون كذبه كالماء الآجن، لأن فيه بقية أمل، ولأن سماع خبرٍ وهمي خيرٌ من صمت القبر.
وفجأة ضحى اليوم، بينما كانت الزوجة تعد الشاي، صاحت ابنته كالصقر: "ذوكو الداه!". انفجرت الزغاريد، وهلل الصغار: "الداه جاء! الداه جاء!"، يظنونه محمّلاً بالسكر والشاي والخنط، تماماً كما روى لهم الكذّاب.
اقترب الرجل، رأى وجوههم المشرقة، سمع هتافهم. ابتسم في علّته، ثم همس في قرارة نفسه، محاياً بين حقيقة ما يحمله وأساطير الجار وفرحة استقبالهم:
"عندي رواية 'مرده'... ماهي ذيك."
وهكذا هو حال الغائبين في كل زمان. ففي فضاءات التواصل، يجلس المفترون يفتلون رواياتٍ كاذبة عن الغائبين، يتعمدون بها قدح الأعراض والنيل من الشرفاء، وقد جعلوا من ألسنتهم حرفةً يعيشون عليها، يُغديهم المتابعون إعجاباتهم ويُعشونهم بمشاركاتهم. والضحية لا يدري حتى يرن هاتفه مستغرباً، فيقف كمن سقط عن راحلته، لا يهرول للدفاع، لأنه يعلم أن من عاشروه وعرفوا سلوكه لا يحتاجون إلى روايات الغرباء، وأن من شكره عشرة لا يذمّه اثنان. فيمضي بهدوء الحكيم، رادّاً على السائل:
"عندي رواية 'مرده'... ماهي ذيك."
فالمُفتري يبني قصوراً من وهم، والطيب لا تنقصه سمعة عند أهله.
بل تنقص الكذبةُ رصيدَ مُفْتَريها.