رحلة في لغات "اللْقَيْطَة" المتعددة

الشيء بالشيء يذكر : رحلة في لغات "اللْقَيْطَة" المتعددة
من أقدمِ ما صحَّ من الشعر الحساني البت الذي تواترت نسبتُه إلى شاعرةٍ من أهل القرن السابع عشر من الميلاد، اختلف الرواة في اسمها اختلافًا كبيرًا حتى مال المحققون منهم إلى جهالتها، والأشهر أن اسمها اللقيطة.
وهو بتٌّ قالته بمناسبة تولّي هيبه بن نَغْمَاشْ رئاسةَ قومه سنة 1681م، في قصة مشهورة. وللرواة اختلافٌ في بعض ألفاظ هذا البتّ، ومن أصحّها وأكملها قولها:
مَرِحْبَ ابْهيبَه الْمَعْلُومْ الْجِيِّدْ الْخايْفَ اللَّه
دَبُّوس أَوْلادْ كَرُومْ شِيخْ أوْلادْ عَبْدَاللّه

يا سيدي دِيكُّوْهْ بانَ لك الّلّوْهْ
سغَنْتَ يَبَوْهْ ذيك القَسَاوِيَّهْ
ما خَلا خِلُّوهْ ذِيك اقْرِمَّانيَّهْ
فرمَ اللّمّ بوه ذيك البمباريَّه
شكرك ما نحصوه بالحسانيه
وَخَيْر انْقُولوه بالسريانيه
يَهَيْبِتْ لَطْرَافْ سَلْطَنتَكْ هِيَّ
سَلْطَنْتِ التِّشْرَافْ فِ الْبَالْ انْقِيَّهْ

غيركم هَيْبه يَفْقَارِيشْ والخَصْلَهْ تَوعد الّي ايجيبْها
والتَّشفَارِت اتقلَّلْ الفَيْشْ والْ طَهالو الله ايْصِيبْها

يَوِلْ أَكَلايْ إيْلاهْ انْوَصِّيكْ * حِذْرَكْ من الشّرْ اعْطِيبَهْ 
لا تْعَيِّيكْ ولا تِشْقِيكْ * سَلِطْنَهْ ما فيها هَيْبَهْ

والذي لفت انتباهي في الطلعة الأولى من هذا البتّ، فضلًا عن تعدد أوزانه الشعرية من بت ناقص وتام، هو المعنى الجميل الذي هو تعبير محسوس عن عجز البيان عن بلوغ المقصود؛ غير أن الشاعرة لم تقف بهذا المعنى العريق عند حدّه المألوف في المديح، استنفادِ الألفاظ والمعاني، بل ارتقت به إلى استنفاد اللغات ذاتها، فتدرجت في وصف ذلك العجز بالتنقل بين الألسنة الأعجمية المعروفة في فضائها، لسانًا بعد لسان، على سلّم من الغرابة يصعد درجةً درجة، حتى ترتقي قمةَ الغرابة في الوعي المحلي وهي السريانية. ولنتتبّع هذا المعراج اللساني على ترتيب درجاته في البتّ نفسه.
الدرجة الأولى: الفلانية
استحضرت الشاعرةُ لسانَ الفلان وهو أقرب الألسنة إلى فضائها استحضارًا خاطفًا بإيراد التمجيدة الشهيرة «دِيكُّوهْ»، وهي جامو قبيلةٍ من الفلان ، والجامو اسمُ العشيرة التمجيديّ عند شعوب المندي والفلان، يُهتف به في مقام الثناء والتحية، وقد اعتُمدت هذه التمجيدة في الفضاء الحساني، ربما لعلاقة حلفٍ أو ما يسمى قرابة المزاح أو غير ذلك من أشكال المعاشرة التي بموجبها ينتقل الجامو بين الشعوب.  
الدرجة الثانية: السوننكية
ثم أظنّها أوردت شطرًا فيه لمحة سوننكية، وهو شطر «بانَ لك اللّوهْ»؛ فـ«بانَ» هو العدد الأول في أعداد السوننكية، فكأنها تقول له: أنت الأول.
الدرجة الثالثة: القساوية 
ثم أوردت عبارةً بالقساوية: «سغَنْتَ يَبَوْهْ». والقساوية هي لغة منطقة الخاصو الواقعة جنوب قيديماغا، وقد سكنها منذ القرن السابع عشر جيلٌ من الفلان قادم من ماسينا، استوطونها وتبنّوا لغةَ أهلها الأصليين وهي لهجة مالنكيّة. وقد انعقد في تلك البلاد ملكٌ لذرية يامادو وابنه سيكا، وظل الملك في ذريتهم حتى زمن المستعمر؛ ومنهم سيكا الذي كنتُ نشرتُ قبل مدة رسالةً دعوية وجّهها إليه المصلحُ محمد بن يوسف فاديكا الزغوي، وخاطبه باسم "سلطان الفلان"، وسيكا هذا تولى الحكم في السنة نفسها التي تولى فيها هيبه بن نغماش، وهو من أعظم سلاطين الفلان الخاصو قوةً ومجدًا، وقد ورث ملكَه وسؤددَه أبناؤه من بعده؛ فمنهم ابنه دمبا سيكا خفير القوافل، المتوفى سنة 1796، وهو الذي زاره الرحالة منغو بارك فقيّد ذكره في رحلته، ومنهم أحفاده أبناء صمبالا ملوك مدينة خاي الذين تحالفوا مع المستعمر. وقد نقل المؤرخون أن آل سيكا كانوا حلفاء أولاد امبارك، بل هم أخوال أسرة الرئاسة من أولاد لغويزي.
ولا بد هنا من لفت الانتباه إلى أن هذا البتّ يقدّم إشارة تاريخية نفيسة حول التشكل المبكر لهوية الخاصو في القرن السابع عشر، خلافًا لما هو متداول في المراجع التاريخية المعاصرة من أن الهوية الخاصوية لم تتشكل إلا تشكلًا تدريجيًّا في القرن الثامن عشر. 
الدرجة الرابعة: القرِمانية
ثم ذكرت الشاعرة القرمانية ونقلت منها كلمات: «ما خَلا خِلُّوهْ». ولم أهتدِ إلى معرفة المقصود بالقرمانية على وجه القطع، والذي أرجّحه أنها لهجة من اللهجات السوننكية التي كان الناس يتكلمون بها في منطقة الغالام الذهبية؛ ويعضد هذا الترجيحَ شاهدٌ حسانيّ مستقل يربط اغرمان بالذهب، وهو قول أحمد ولد دندني في اطلع امبرصه:
راعي ذَهْبْ اغْرمّانْ جاكْ او خنط اسنغان
راعي رَكْبْ العِرْبَانْ شَوْفيهْ امْعاك اقْعُودْ
ولعلها لهجة هجينة كالآزير، لهجةٌ تجارية كان أهل تلك المناطق الذهبية يتكلمون بها. وثمة احتمال آخر دونه في القوة: أن تكون «القرمانية» هي النطق الصحيح لبلاد قمنورية التي ذكرها البكري وجعلها في الغرب الموريتاني في الترارزة الحالية؛ وهو احتمال صوتيٌّ مغرٍ.
الدرجة الخامسة: البمبارية
ثم ذكرت عبارةً بالبمبارية: «فرمَ اللّمّ بوه». والذي أميل إليه أن في الجملة القرمانية كلمة «ماغا» أي الملك، وفي الجملة البمبارية «فاما» بالمعنى نفسه، وقد تكون «فرما» أي القائد العسكري. فكأن الشاعرة تخاطب الأمير بعباراتِ تنصيبٍ ملكية بألسنة الممالك المجاورة، والطّلعة بروتوكول تتويجٍ متعدد الألسنة لا مجرد استعراض لساني.
وعلى العموم يمكن القول إن الرواية الحسانية حفظت هذه العبارات الأعجمية ثلاثةَ قرون ونصفًا حفظَ الأصوات دون الدلالات، فوصلتنا كالنقوش على صخر القصيدة. فلعل هذه النصوص من أقدم ما وصلنا مدوَّنًا بهذه  الألسنة، مكتوبًا بالحرف العربي عبر أذنٍ حسانية قبل مدونات اللسانيين بقرنين، وهي فرضية تستحق أن تُعرض على أهل الاختصاص في اللغات المندية.
الذروة: السريانية، اللغة الأسطورية
فلما بلغت الشاعرة قولها «شكرك ما نحصوه بالحسانيه» أعلنت إفلاس البيان بعد أن استنفدت ألسنة الأرض المجاورة، فلم يبق إلا القفز خارج هذا النسق كله: «يغير انقولوه بالسريانيه».
فالسريانية — ولا أدري هل دُرس هذا البعد الأنثروبولوجي منها — تمثل في حضارتنا الإسلامية نموذجَ اللغة الأسطورية التي تختزل كل معاني الغرابة؛ فهي القرين الماورائي (l’alter ego) للغة العربية، الآخرُ بكل ما يحمله من بعدٍ وقربٍ في آن واحد. وهي هاجس حاضر في الوعي الثقافي، هاجسٌ له ساحريّته: فبها تُكتب الرموز والأسماء الأعجمية التي تعجّ بها كتب السرّ والسحر والجداول في الكنانيش الأهلية في العالم الإسلامي كله — أو هكذا تصوّرها أهلُها، مع أن كثيرًا منها عبريٌّ في الحقيقة.
وقد اشتهر في المأثور أن السريانية لغة آدم وشيث وإدريس ونوح عليهم وعلى سيدنا محمد الصلاة والسلام، كما في حديث أبي ذر الذي أخرجه ابن حبان في صحيحه، على مقالٍ في إسناده، واعتبرها بعضهم لغة الملائكة، واختار البلقيني  أنها لغة السّؤال في القبور، ولذلك قال الإمام السيوطي في نظمه المفيد «التثبيت في ليلة التبييت»:
ومن عجيبِ ما ترى العينانِ أنّ سؤالَ القبرِ بالسريانِي
أفتى بهذا شيخُنا البلقيني ولم أرَهُ لغيرِه بعيني

وأشير هنا من باب الاستطراد أن لأخينا الدكتور د.سيدنا علي امباله شرحا على هذا النظم المبارك.
فالسريانية هي لغةُ العتبات كلِّها أو لغة الباطن: لغة ما قبل التاريخ (آدم)، وما بعد الموت (سؤال القبر)، وما فوق البشر (الملائكة)، وما وراء الظاهر (الجداول).
والعجيب أن السريانية ليست في الواقع إلا لهجة محدثة من الآرامية، فلعل المقصود في الخبر- إن صح- الأصلُ الآرامي، أو اللسان الأم لهذه اللغات جميعًا وهو اللسان السامي، أو كما يسميه أستاذنا أحمد شحلان: اللسان العروبي. ولذلك قال ابن حزم في «الإحكام في أصول الأحكام»: «الذي وقفنا عليه وعلمناه يقينًا أن السريانية والعبرانية والعربية — التي هي لغة مضر وربيعة، لا لغة حمير — لغة واحدة، تبدّلت بتبدّل مساكن أهلها، فحدث فيها جَرْشٌ كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نغمة أهل القيروان، ومن القيرواني إذا رام نغمة الأندلسي، ومن الخراساني إذا رام نغمتهما».
ومن طريف ما رأيت من أمر هذه الألسنة الغريبة في الفضاء التكروري أن أحد أعلام ودان وعباقرتها، الشريف الحيسوبي الإمام بن سيد المتقي، نظم «الأقلام الأعجمية» في أرجوزته «كشف الرموز»، وفيها يقول:
وأسألُ الرحمنَ ربي البروزْ لرجزٍ سميتُه كشفَ الرموزْ
في سِمطه نظمتُ أقلامَ العجمْ اللاتِ في اصطلاح ماضي الأُمَمْ
ألجأني لذاك فقداني لمنْ يعرفها كلًّا من أهل ذا الزَّمَنْ
وقد ذكر فيه خطوط عدد من اللغات الغريبة منها القلم الهندي والسرياني، وقلم هرميوس الحكيم، والقلم الزمامي والقلم العبراني.

المحجوب ولد بيه