على مدى 48 ساعة، عاش أفراد أسرة الإطار بوزارة الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، ابادو ولد اتنيقميش، ومعهم الرأي العام الموريتاني، حالة من الترقب والقلق المتصاعد.
بدأت القصة باختفاء مفاجئ لرجل غادر منزله كعادته دون أن يثير خروجه أي شكوك، لكنها انتهت بطريقة صادمة داخل أحد أهم المرافق الثقافية في البلاد.
بين لحظة انقطاع الاتصال به، والعثور عليه متوفى داخل مبنى المحافظة الوطنية للتراث، تحركت الأسرة والأصدقاء والسلطات الأمنية في سباق مع الزمن لفك لغز الاختفاء.
ومع تقدم التحقيقات، بدأت خيوط القضية تتكشف تباعاً، وصولاً إلى توقيف المشتبه به الرئيسي.
في هذا التقرير نستعرض التسلسل الكامل للأحداث، منذ الساعات الأولى للاختفاء وحتى آخر المستجدات الرسمية في القضية.
اختفاء مفاجئ
في مساء يوم بدا عادياً، غادر ابادو ولد اتنيقميش منزل أسرته في مقاطعة تفرغ زينة بالعاصمة نواكشوط، متوجهاً لقضاء بعض شؤونه المعتادة.
لم يكن أحد يتوقع أن تكون تلك اللحظات آخر ما يعرفه المقربون منه قبل أن يختفي بشكل مفاجئ.
وبعد ساعات قليلة، انقطع الاتصال به كلياً، وأصبح هاتفه خارج الخدمة، بينما لم يتمكن أفراد أسرته من تحديد مكان وجوده أو التواصل معه.
ومع مرور الوقت دون أي أخبار عنه، بدأت المخاوف تتزايد، قبل أن تتحول إلى حملة بحث واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث ناشد أقاربه المواطنين المساعدة في العثور عليه أو تقديم أي معلومات قد تقود إلى مكانه.
وكانت أكثر النداءات تأثيراً تلك التي تحدثت عن أم تنتظر خبراً يطمئنها على ابنها الغائب، في مشهد إنساني مؤثر لامس مشاعر آلاف المتابعين.
تعبئة شعبية وتحرك رسمي
مع دخول الاختفاء يومه الثاني، اتسعت دائرة الاهتمام بالقضية.
شخصيات ثقافية وفنية وفاعلون مدنيون انضموا إلى جهود البحث، فيما وجّه الأمين العام لاتحاد الفنانين الموريتانيين، ولد أوه ولد بيسيف، نداءً عاماً للمساعدة في العثور على المختفي.
وفي الوقت نفسه تم إشعار الجهات الأمنية المختصة التي باشرت عمليات البحث والتحري وجمع المعطيات المتعلقة بتحركات الراحل خلال ساعاته الأخيرة.
ومع كل ساعة تمر دون نتيجة، كانت الأسئلة تزداد، بينما ظل مصير المختفي مجهولاً.
الوفاة الصادمة
بعد نحو يومين من البحث والانتظار، جاءت الصدمة التي لم يكن أحد يتمنى سماعها.
فقد عُثر على ابادو ولد اتنيقميش متوفى داخل مبنى المحافظة الوطنية للتراث، المؤسسة التي كان يرتبط بها مهنياً من خلال مهامه الإدارية.
ووفق المعطيات الأولية، عُثر على جثمانه داخل المبنى في ظروف وصفت بالغامضة، فيما وُجدت بعض متعلقاته الشخصية بالقرب منه.
لكن الملاحظة التي أثارت اهتمام المحققين منذ اللحظات الأولى تمثلت في اختفاء سيارته الشخصية من المكان، وهو ما فتح باباً واسعاً من التساؤلات حول ما حدث خلال الساعات التي سبقت العثور عليه.
الكاميرات تكشف خيطاً حاسماً
مع انتقال التحقيق إلى مرحلته الفنية، بدأ المحققون في مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة المحيطة بالمبنى.
وبحسب المعلومات التي توصلت إليها فرق البحث، أظهرت التسجيلات دخول شخص برفقة الراحل إلى مكتبه خلال الفترة الممتدة بين صلاتي العصر والمغرب.
لكن التطور الأبرز تمثل في ظهور الشخص نفسه وهو يغادر المبنى بمفرده في وقت لاحق.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أظهرت التسجيلات أيضاً توجهه إلى سيارة الراحل ومغادرته المكان على متنها، لتتحول السيارة والشخص الظاهر في التسجيلات إلى محور رئيسي في التحقيق.
وفي الوقت ذاته، دعمت نتائج المعاينات الفنية والطب الشرعي فرضية تعرض الضحية لاعتداء جسدي قبل الوفاة، الأمر الذي دفع التحقيقات إلى الانتقال إلى مرحلة أكثر حساسية تحت إشراف النيابة العامة.
إعلان توقيف أجنبي.. المشتبه به الرئيسي
وفي تطور جديد أنهى جانباً من الغموض الذي أحاط بالقضية، أعلن وكيل الجمهورية لدى ولاية نواكشوط الغربية، القاضي الشيخ محمد محمود ايهاه، توقيف المشتبه به الرئيسي في القضية.
وأوضح وكيل الجمهورية أن عملية التوقيف نفذتها الشرطة الوطنية تحت إشراف النيابة العامة، مؤكداً أن المشتبه به يحمل جنسية أجنبية.
ويأتي هذا التطور بعد سلسلة من التحريات والإجراءات الفنية التي قادت المحققين إلى تحديد هوية المشتبه به وتعقبه.
أسئلة ما تزال تنتظر الإجابة
ورغم توقيف المشتبه به الرئيسي، فإن القضية لم تكشف بعد كل أسرارها.
فما الدافع وراء ما حدث؟
وما طبيعة العلاقة التي جمعت بين الضحية والمشتبه به؟
وكيف جرت الوقائع داخل المبنى خلال الساعات الأخيرة من حياة ابادو ولد اتنيقميش؟
أسئلة ينتظر الرأي العام الموريتاني أن تجيب عنها التحقيقات الجارية، فيما تواصل الجهات الأمنية والقضائية استكمال إجراءاتها لكشف الحقيقة كاملة وإحالة الملف إلى القضاء ليقول كلمته الفصل.
وبين لحظة الاختفاء والعثور على الجثمان ثم إعلان التوقيف، ستبقى الساعات الثماني والأربعون التي سبقت كشف ملابسات القضية واحدة من أكثر الفترات غموضاً وإثارة للصدمة في واحدة من أبرز القضايا التي شغلت الموريتانيين خلال الأيام الأخيرة.