تظلُّ "مجالسُ الرَّكْبِ" محطاتٍ خالدةً لا تغيبُ شمسُها، فكيف إذا كان الركبُ يضمُّ قُطبينِ من أقطابِ البيان، وعلَمينِ من أعلامِ الزمان: الشيخ حمدا ولد التاه، والشيخ محمد سالم ولد عدود طيب الله ثراهما
لم يكن السفرُ بالنسبةِ لهذين الجبلين مجردَ انتقالٍ بين البقاع، بل كان مضماراً لخيولِ الشعرِ في ميادينِ النقدِ والمداعبةِ البليغة.
في إحدى الرحلاتِ الجوية، وبينما كانت طقوسُ الحداثةِ الغربية تتجلى في "مضيفةٍ" تجوبُ الممراتِ في زيٍّ لا يألفُه مَن تربَّى على غضِّ البصرِ وحفظِ الحرمات، أطلقَ الشيخُ حمدا بسخريتِه اللطيفةِ وبصيرتِه الناقدةِ عنانَ قريحتِه ليصفَ المشهدَ، واضعاً يدَه على جرحِ "العولمةِ" التي تقتحمُ فضاءاتِنا ببرود أعصاب:
وَقَفتْ بَيْنَ سَائِحٍ وَسَيَاسِي ... تُرْشِدُ النَّاسَ فِي خَفِيفِ اللِّبَاسِ
وَرَمَتْهَا الْعُيُونُ وَهْيَ تُنَاجِي ... فِي هُدُوءٍ مَجْمُوعَةَ الْأَجْرَاسِ
وَأَشَارَتْ أَنَّ الْمَقَاعِدَ تَحْوِي ... سُتْرَةً لِلنَّجَاةِ عِنْدَ الْإِيَاسِ
فَوَجِمْنَا وَقَدْ بَدَتْ كَلِمَاتٌ ... لَا تُدَخِّنْ، وَأَلْبِسْ حِزَامَ الْكَرَاسِي
فَصَعِدْنَا وَفِي النُّفُوسِ رَجَاءٌ ... وَالْتِجَاءٌ لِخَالِقِ الْأَجْنَاسِ
وَاسْتَوَيْنَا فِي الْجَوِّ ثُمَّ شَرِبْنَا ... فَتَرَى الْقَوْمَ بَيْنَ عَارٍ وَكَاسِي
أَتْحَفَتْنَا بِالْحَلَوِيَّاتِ جَمِيعاً ... وَبِأَكْلٍ يَأْتِيكَ فِي الْأَكْيَاسِ
فَنَزَلْنَا فَشَيَّعَتْهَا عُيُونٌ ... قَطَعَ اللَّهُ وَصْلَهَا بِالْمَوَاسِي
لم يكد الشيخُ حمدا يفرغُ من مقطوعتِه التي تفيضُ ظرافةً ومرارة، حتى التقطَ "البحرُ" الشيخُ محمد سالم ولد عدود خيوطَ القافية، مُحلياً المشهدَ بلمسةِ الحكيمِ الذي يمزجُ النصحَ بالدعابة، وكأنَّه يقطرُ الحكمةَ في أذنِ الوجودِ ليردَّ للمشهدِ بوصلتَه الشرعية:
لَيْتَ هَذِي الْفَتَاةَ كَانَتْ تُرَاعِي ... حُرْمَةَ الشَّرْعِ أَوْ شُعُورَ النَّاسِ
يذكر والله أعلم، أن الشيخ عدود حين حاول تذكير الشيخ حمدا بأن النظرة الأولى لك والثانية عليك..
رد عليه الشيخ حمدا بذكاء و ظرافة : ما زلتُ في الأولى يا شيخ
اليومَ، حين نتأملُ في هذه المقاعدِ التي طواها الزمان، يغشانا شعورٌ بالوحشةِ لا يُداويهِ إلا الترحمُ عليهما.
لقد كان مقعدُ الشيخِ "عدود" مدرسةً تموجُ بالعلومِ والبيان، وكان مقعدُ الشيخِ "حمدا" واحةً تفيضُ بالحكمةِ وتواكبُ العصرَ بروحٍ ساخرةٍ لا تعرفُ الجمود.
لقد كانا يمثلانِ ثنائيةً فريدةً: العلمُ الرصينُ الممتزجُ بخفةِ الروح، والغيرةُ الصادقةُ المغلَّفةُ بأدبِ الكبار.
ما أحوجنا اليوم، في زمنٍ تلاطمت فيه أمواجُ الغريبِ، إلى تلك العقولِ التي تُنكرُ المنكرَ بجمالِ البيان، وتوجِّه المجتمعَ بابتسامةِ الحكيمِ لا بعبوسِ المتزمت.
لقد رحل العالمانِ، وبقيت هذه الأبياتُ شاهداً على أنَّ "شنقيط" لا تنجبُ إلا شموساً إذا غابت، خلَّفت في النفسِ ظمأً لا يُروى، وفراغاً لا يملؤه سِواهم.
رحم الله العالمين الجليلين، فلقد كانا لنا في "جوِّ الحياةِ" هُدىً، وفي "أدبِ الرحلةِ" متعةً وذكراً.