بين مسؤولية الأمانة وضغوط السلطة: كواليس تفتيش "سنيم" (مايو 2008)

بين مسؤولية الأمانة وضغوط السلطة: كواليس تفتيش "سنيم" (مايو 2008)

في منتصف مايو من عام 2008، وفي ساعة متأخرة من الليل، تلقيتُ بريداً إلكترونياً من أخي وصديقي جمال ولد اليسع، يحمل عنوانا لافتا، هو "مهم جداً جداً". كان مضمون الرسالة مباشرا وصادماً؛ إذ أفاد بأن شركة تابعة لنجل رئيس الجمهورية آنذاك، الراحل سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، قد حازت على صفقة لتأجير عمال حراسة لصالح الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (سنيم).

أعدتُ قراءة الرسالة مراراً، واستشعرتُ على الفور ثقل الأمانة وعظم المسؤولية القانونية والأخلاقية التي أُلقيت على عاتقي. فكرتُ في مهاتفة رئيس الجمهورية مباشرة، لكنني تراجعت التزاماً بالمهنية؛ فلا ينبغي شغل رأس الدولة بأمرٍ لم تحسم آليات الرقابة قطعيته بعد. اتصلتُ بجمال ولد اليسع — الذي كان يشغل حينها منصباً بمكتب ممثل الأمم المتحدة في غرب إفريقيا — لاستجلاء الحقيقة. أكد لي صحة معلوماته، وعرض ربطي بمصدره الخاص، لكنني شكرته مفضلاً الاعتماد على الأدوات والآليات الرقابية الرسمية للمفتشية العامة للدولة.

هاجس الحماية والمسؤولية
مضت تلك الليلة مثقلةً بالتفكير، وصراع الخيارات، فالرهان كان كبيراً: حماية سمعة رئيس الجمهورية، والاضطلاع بمسؤوليتي الأخلاقية في حمايته حتى من الدائرة المقربة منه. استحضرتُ في تلك اللحظات نصيحة ثمنية نقلها لي السيد المصطفى ولد الإمام الشافعي في خريف 2006 عن الرئيس البوركينابي بليز كومباوري، مفادها: "إن أخطر ما يواجه صاحب السلطة هم أقرب المقربين منه".

كما رنّ في أذني صدى كلمات رئيس الجمهورية يوم كلفني بمهام المفتش العام للدولة حين قال لي وبنبرة جازمة وحاسمة إنه: "لا أحد فوق القانون".

حسمتُ أمري، وقررتُ إيفاد بعثة تفتيش فورية إلى الشركة. ولاختيار الشخص المناسب لهذه المهمة الحساسة، وقع اختياري على أحد أكفأ طواقم المفتشية وأكثرهم خبرة وصلابة: المفتش العام المساعد، السيد سي هاشميُ الذي كان اول من علمني أبجديات العمل الرقابي يوم كان رئيسا لمصلحة التفتيش بالإدارة العامة للخزينة العمومية وكنت ساعتها مفتشا مدققا تحت إمرته في نفس المصلحة.

انطلاق المهمة والمواجهة الإدارية
لم تذق عيناي النوم حتى أذان الفجر. صليتُ ثم عدتُ للمنزل سريعاً لتغيير ملابسي، وكنتُ في مكتبي في تمام السابعة صباحاً. فور وصول السيد "سي هاشميُ" عند الساعة الثامنة، كلّفته بإعداد أوامر المهمة له ولطاقمه، وحددتُ الهدف بدقة وموضوعية: "التدقيق في إجراءات صفقات الحراسة بالشركة الوطنية للصناعة والمناجم "سنيم"، والتحقق من هوية ملاك الشركات المتعاقدة، ومدى امتثالها للنظم القانونية والمالية الشغلية".

تعمدتُ صياغة الهدف بشكل عام وشامل، تفادياً لإثارة أي حساسيات مسبقة أو كشف القصد الحقيقي للمهمة مبكراً. وبحلول التاسعة والنصف صباحاً، كان الفريق في طريقه برّاً إلى العاصمة الاقتصادية نواذيبو.

لم يتأخر الصدام الإداري؛ ففي حدود الرابعة عصراً، تلقيتُ اتصالاً هاتفياً من المفتش "سي هاشميُ" يفيد بأن أحد مديري "سنيم" يعرقل دخولهم ويرفض التعاون. كان ردي حازماً ولا يقبل التأويل: "أخبره بأن عرقلة مهام التفتيش تشكّل جريمة قانونية، وأننا نملك صلاحية الاستعانة بالقوة العمومية للدخول عنوة، وهو إجراء سيضر بسمعة الشركة ويضعه تحت طائلة المسؤولية القانونية والشخصية المباشرة".

أثمر هذا الحزم سريعاً؛ فُتحت الأبواب، وبدأ الفريق عمله الاستقصائي المهني.

في مكتب الوزير الأول: صراع الصلاحيات
في صباح اليوم التالي، استدعاني معالي الوزير الأول آنذاك، السيد يحيى ولد الوقف، في أول لقاء رسمي يجمعنا منذ تعيينه. بادرني بلهجة تشبه الاستفسار: "لماذا لم تبلغني بإرسال بعثة تفتيش إلى شركة سنيم؟".
أجبته بهدوء وثقة: "لقد تم إبلاغكم وفق المساطر الإدارية المتبعة، حيث تُرسل نسخة من أوامر التفتيش الموقعة إلى مكتبكم فور صدورها".
علق بلهجة آمرة: "ألغِ المهمة".
أجبته بهدوء وثقة أكثر من ذي قبل: "لا يمكنني إلغاء مهمة رقابية بدأت بالفعل".
ردّ: "أنا آمرك بإلغائها".
فقلت له بوضوح وتحديد صارم للمسؤوليات: "وفقاً للمرسوم المنظم للمفتشية، يحق لكم أمرنا بالقيام بعمليات تفتيش محددة، لكن لا يوجد نص قانوني واحد يخولكم أمرنا بالامتناع عن عملنا أو إلغاء مهام قائمة. ومع ذلك، يظل خيار إقالتي من منصبي متاحاً لكم في أي وقت".

حاول معالي الوزير الأول الاستناد إلى دفوع قانونية قدمها الإداري المدير العام لشركة "سنيم" حينها، السيد محمد عالي ولد الدياهي، مدعومة باستشارة من المحامي اليزيد اليزيد، تدعي أن "سنيم" شركة ذات طابع خاص لا تخضع لرقابة المفتشية العامة للدولة.

كان ردي حاسماً: "ما ينظم عملنا ويحدد صلاحياتنا هو المرسوم المنشئ للمفتشية الصادر عن رئاسة الجمهورية، وليس رأي محامٍ مدفوع الثمن لصالح جهة يمثلها".

ثم زدت أكثر، وسألت معاليه: "كم تبلغ حصة الدولة في رأس مال سنيم؟". وحين أجاب بأنها تتجاوز 70% قلت له: "تكفيني نسبة 50% فقط لأخضعها قانوناً للرقابة الشاملة".

النتيجة غير المتوقعة: إنصاف الحقيقة
بعد أسبوع من العمل الدقيق، عادت البعثة بتقرير مفصل حمل مفاجآت قلبت كل التوقعات، وجاءت نتائجه كالتالي:
1. طبيعة الصفقات: تبين وجود 16 إلى 17 شركة حراسة متعاقدة مع شركة "سنيم"، وجميعها حصلت على الصفقة عبر صيغة "التراضي" (Gré à gré).
2. الالتزام القانوني: اتضح أن جميع هذه الشركات — باستثناء الشركة محل الشبهة — لا تُصرح بكامل عمالها لدى صناديق الضمان الاجتماعي وتتهرب من تسديد مستحقاتهم.
3. هوية الملاك: تبين أن جميع ملاك تلك الشركات المخالفة ينتمون لولايات الشمال، بينما الشركة التي أُشيع أنها لنجل رئيس الجمهورية، اتضح أن مالكها الفعلي هو نجل النائب محمد عالي شريف.
4. المفارقة الكبرى: كانت شركة "ابن محمد عالي شريف" هي الشركة الوحيدة الملتزمة قانونياً بالتصريح الكامل عن عمالها، وتسديد كافة مستحقاتهم الضريبية والاجتماعية بانتظام.

حمدتُ الله كثيراً على هذه النتيجة التي أنصفت المحق، وبرأت ساحة محيط الرئيس. وتجلت لي بوضوح خلفية الإبلاغ والكيد؛ حيث كان دافع الوشاية بالشركة وتضخيم أمرها هو كون مالكها من خارج النطاق الجغرافي التقليدي للمستفيدين التاريخيين من صفقات الشركة (أهل الشمال)، وليس حرصاً على المال العام أو الشفافية.

فوراً، قمتُ بإحالة التقرير رسميّاً إلى إدارة شركة "سنيم" لإلزامها بتصحيح وضعية الشركات المخالفة وتطبيق القانون دون تمييز، كما وجهتُ نسخة منه إلى فخامة رئيس الجمهورية، وأخرى إلى معالي الوزير الأول، إحاطةً بالحقائق وإبراءً للذمة، وفق ما يمليه المرسوم المنشئ للمفتشية العامة للدولة.

محمد آبه الجيلاني