الإنشادات والإفادات: من أدب الجيم

الإنشادات والإفادات: من أدب الجيم 
جرى عملُ المعنيّين بالمخطوطات - فهرسةً وتحقيقا ونشرا - على العناية بالكتب ذوات الأسفار، والمؤلّفات ذوات الحجم، وأهملوا - في الغالب - ذلك العالم الآخر من الوثائق الصغيرة: من رسائل متبادلة، ونقول مفردة، وفوائد مقيّدة على أطراف الأوراق، وقصائد مبثوثة في الحواشي. وهي في ظاهرها شَذَرات، وفي باطنها شواهدُ حيّةٌ على حركة العلم والمجتمع. وقد يوجد في الغدير ما لا يوجد في البحر. 
ومن هذا الباب، ورقة عثرت عليها في مخطوطاتنا، ورقة صغيرة تكاد تضيع بين الأسفار، فإذا بها تحمل عالَما كاملا من العلم والجدل والأدب. وقد تضمنت هذه الوثيقة  ثلاثة نصوص متعاقبة في مسألة واحدة مشهورة وهي مسألة الجيم، التي هي بحق من أكبر النوازل العلمية التي عرفها المجال التداولي الشنقيطي، وإحدى ثلاث مسائل صوتية دار حولها النظر الاجتهادي في البلد (الجيم - الضاد- التسهيل البيني). 


النصّ الأول: 
فتوى مشهورة لسيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم رحمه الله، يُقرّر فيها جواز القراءة بالجيم على صيغتيها: الشديدة التي عليها أهلُ مدائن المشرق ومصر، واللينة التي عليها أهلُ المغرب وعربُ الحجاز. وحجّته ليست نظريّةً صوتيّةً مجرّدة، بل عملُ المسلمين في الأمصار التي زارها؛ وعمدتُه في التقرير قاعدةُ استصحاب الحال المقلوب: "الأصل بقاء ما كان على ما كان"، ومن الطريف أن هذه القاعدة أعملها العلوي في فتوى له أخرى في مسألة القبائل المتخلقة بأخلاف الوثنيين.

النص الثاني:  
قصيدة نادرة لم أقف عليها قبل اليوم كاملة، لسيدي محمد بن موسى بن أيجل الزيديّ نسبا التِّشيتيّ وطنا، نظمها نصرةً لمذهب شيخه شيخ القرّاء سيدي عبد الله التنواجيويّ في تعيّن الجيم الشديدة. وقد تضمن القصيدة دفاعا حارا في شكل نصيحة لأهل عصره، مطلعها قوله: 
قرأنا كتاب الله بالجيم أوّلا 
إلى أن أتى الحبر النبيه فقال لا

والغريب أن الشطر الأول أعيد توظيفه بعد ذلك في أبيات مشهورة. 
ثم يواصل الزيدي :
فلا تقرأوا الذكر الحكيم بما أتى 
رديّا ولم ينطق به سيّد العلى

وما استقبحته العربُ طرا لأنّه  
 كشين التفشّي بل فشدّده تفضلا  

فهذا الذي قد قاله نجل مالك  
بتسهيله والحقُّ أبين مقولا

فإن نور الله البصيرة منكمُ 
كفتكم نصوص كاليواقيت تجتلا

وإلا فإنا موقنون بما أتى
به الشيخ عبد الله حقا عن الملا

جزى الله بدرا ذاد عنا غياهبا  
 حوالك  قد أرضت من الجهلا ذلذلا

ويختمه بالتعريف بنفسه: 
وقد نظم الأبيات نجل من اسمه  
 محمد الزيدي بن موسى بن أيجلا

النصّ الثالث: 
وهذا أبهى النصوص وأنفسها وهي قصيدةٌ صُدّرت بعبارة: "قال الشيخ الحافظ أبو محمد الحاج..."، والذي ترجّح لديّ أنها لسيدي عبد الله التنواجيويّ نفسه، فإنّ هذه أوصافُه العلميّة التي كثيرا ما يوسَم بها في إجازات تلاميذه. 
وهي قصيدة من 21 بيتا، صادية، في شكل مرافعة قوية عن مذهبه، بتبخيس السند المحلي القديم، وتضعيف حجتهم، ودعوة أهل البلد للانتقال إلى ما جاء به: 
عجبت لمن للجيم يعزو تفشّيا 
وياتي بتصميم به لم يجئ نصُّ

ويترك ما قال الثقاتُ عن النبي 
أؤلئك من بالحقّ في الازل [اختصوا]

يقول بهذا قد أخذتُ درايةً  
 منَ افْواهِ آبائي عَلَيَّ كذا قَصُّوا  

وآباؤه من قبله لم يبيّنوا  
دليلا عنَ اهل الفنِّ فيه لهم عَصًّ

.... 
ثم يتناول  الحجة النحوية : 
هيا مُدّعينَ الجيمَ من غير حُجّة  
 دعاويكمُ فيها قلاص بها غمصُ

ألم تسمعوا قول ابن مالك إنه 
رَدِيٌّ تفشيه، فعوا نصّه واحصوا 
كما جاء عن كلّ النحاةِ كسيبــوَيـْـ  
ــــهِ مِثْلَ ابْنِ عُصْفُورٍ فَلله لا تَعْصُوا

أتتبعون الإفكَ والحقُّ لائحٌ  
 أما قد علمتم أن جاحدَه لِصُّ

إلى سُبُل الحقّ القويم فبادروا 
وخَلُّوا سبيلَ الافْتِرَا إنَّه نَقْصُ

فلله أنْوارٌ يَلُوحُ ضياؤُها 
لمن في اتّباع الحقِّ كان له حِرْصُ 
الخ

وقد تضمنت القصيدة بعض الغريب، كالعص، والرعص والغمص الخ . وهذه النصوص وإن كانت تنتمي إلى المدرسة الفقهية، فهي تحمل ملامح أدبية، تفيد إلى جانب عشرات النصوص التي اكتُشفَتْ مؤخرا ، في إعادة كتابة تاريخ الشعر في القطر الشنقيطي.

المحجوب ولد بيه