العلك وعذر النواش
لأهل إيگَيدي شيء من لعيارَه لها سياقاتها الخاصة، لاشك أن النائب بيرام يعرفها جيدا، ويدخل ضمنها المثل الذي أورده عن العلك، والعلك ياسرَه أخبارو كما يقال.
وعذر النواش مثل يضرب في من يبحث عن شماعة يلقي عليها فشله كما يفعل نائش الدابة (النواش)إذا انفلتت من يده ولم يقدر على نوشها فينشأ يلقي الأعذار
وللباحث الأديب يعقوب بن اليدالي منشور بديع ماتع عن النوش أردت أن أتحفكم به:
النوش
النوش لغة مصدر من فعل ناش ينوش ، وناش الجالس أسرع في النهوض، و ناش الشيء تناوله، ومن ذلك قول الشيخ أحمد البدوي في نظمه للغزوات:
وناشهم سلمة بن الأكوع
وهو يقول اليوم يوم الرضع
واصطلاحا هو مطاردة يقوم بها الرجال لبعض أنواع الحيوانات، عبر الإمساك بأذنابها لقصد معين؛ مثل وضع علامة مميزة على الصغار، أو حقن المبيطر أوطعنه للدابة المريضة، أو تقييد الضوال الهمل، أو ترويض الدواب الشرد، أو تهذيب مراس العوذ المطافيل، و في ذلك كله تستوي الإبل والبقر. إلا أن طرق تثبيتهما تختلف – كما أخبرني أحد أهل التخصص- ففي الإبل يكفي الإمساك بالرجل الخلفية، لتوقيف البعير أو البكرة، أما الثيران والعجول فتثبيتهما يتطلب الإمساك بالسوق الأمامية لكي تكف عن الركض والعدو.
ويعتمد “النوش” على اللياقة البدنية، أولا والخبرة و الممارسة ثانيا، و لابد للرعاة والمنمين من احترافه، للقيام بالمهمات التي أشرنا إليها آنفا.
وقد وسَّع مجتمع البيظان، الحقل الدلالي لكلمة "النوش" فأطلقوا “نوش التاديت” على السؤر الذي يحتسيه الحالب بين الفيقتين، أو قبل حلبه لدابة أخرى، كما استعاروا أيضا "نوش البيت و الكاف" لمن تذكر عجز البيت دون صدره….
وتروى في المجالس البدوية طرفٌ عديدة تتعلق ب"النوش" منها أن عسكريا فرنسيا مرَّ على منمٍ يُدعى :"ول اگب" فرأى في إبله بعيرا أعجبه، فقال للمترجم الذي يرافقه مُرْهُ أن يعقل ذلك البعير، فسوف نعزز به قافلة البريد، فبادر المنمي كالمنفذ لطلب الفرنسي، ومال إلى ذنب البعير وقرصه قرصة مؤلمة، فثار الأخير وركض بصاحبه ركضا قويا، ثم مرَّ به مسرعا بين أشجار القتاد والسيال، فسالت الدماء من أطراف المنمي، وترك البعير شاردا وكرّ راجعا، فاشمأز الفرنسي - الذي كان يراقب المشهد- ، من نفور البعير و ما سببه لصاحبه من الضرر، وأمر المترجم أن يخبره بعدم حاجته إليه، فقال له المترجم – وقد فطن لحيلته – “حَكْ عَنْ ذَاكْ گِدْ نَوْشَكْ يَوُلْ اگبَ” فسارت مثلا .
ومنها أن أحد رجالات المحصر كان مجندا في "گوميات" وكلفه "كوماند سركل" بمهمة عويصة تتعلق بنقل بريد عاجل من أطار إلى المذرذرة، و رصد الفرنسي له جائزة سنية؛ إذا ما تمكن من توصيل البريد في الوقت المحدد، فلما جاوز إنشيرى ضل أحد جمال القافلة ليلا وعلى ظهره زاده وشرابه، فاستغاث بالشيخ الصالح لمرابط محمذفال بن متالى رحمه الله، فلما أصبح طلب الجمل فوجده قرب شجرة يأكل من ورقها، فاقترب منه وأمسك ذيله ، فركض به الجمل يمينا وشمال في حزون الأرض وسهلها، لكن الرجل كان "نواشا" فأمسكه وزمَّه، والتفت إلى الخلف كالذي يحدث مرافقه وقال: ( لِمْرَابِطْ رَانَكْ عَدَّلْتْ ذَاكْ الِّ اعْلِيكْ أُمَزَالْ ذَاكْ الِّ شُورِ يَانَ وِنْدُورْ نَتِقْنُ)
وقد حدثني الثقة أن "النوش" كان الرياضة المفضلة لأحد الخلفاء الذين ساسوا بلدنا، فقد كان من عادته أن يلبس جلبابا أسود ويتجه فجرا، إلى معطن غير بعيد من القصر الرئاسي، فيمسك بذنب بعير أو بكرة، فتميل به ذات اليمين و ذات الشمال، حتى يقطع مسافة بعيدة على تلك الحال، ثم يرجع وقد تصبب عرقا، فيدخل الحمام، قبل أن يمارس نشاطاته الرسمية.
ومن النكت الايگيدية المتعلقة بالموضوع، ما يروى أن أحد الطلاب كان يقرأ خطبة القاموس على شيخه فلما بلغ قول مجد الدين الفيروز أبادى :(… على أني أذهب إلى ما قال أبو زيد إذا جاوزت المشاهير من الأفعال التي ياتي ماضيها على فعَلَ فأنت في المستقبل بالخيار..)
قال الشيخ "أرَاه ُ لاحْتُ فَعَلَ" و "اللوح" بالحسانية يطلق على رمي الدابة لمن ينوشها على الأرض.
ومن قصص النوش أيضا؛ أن شيخا من بني ديمان كان يدرس شابا من "إيجك" شديد الذكاء، موطأ الأكناف، فأعجب به الشيخ كثيرا حتى أسرَّ إلى بعض أهله أنه سيزوجه ابنته، فاشتد ذلك عليهم لما يرون من أحقية بني عمومتها بها من جهة، ولما يخفى على الشيخ من طباع الشاب من جهة أخرى، فاحتال أحد أقاربها على التلميذ يوما فأوهمه أن" لمرابط" اليوم سيضع الميسم على بعير له، لكن شروده حال دون ذلك، فبادر التلميذ إلى ذنب البعير الشرود وأمسكها ، وبعد شد وجذب بين منازل الحي؛ مرَّ به البعير أمام خيمة الشيخ ، فقطع أحد طنبها، وتدفق شراب الشيخ على كتبه وفراشه، فسألهم عن سبب ذلك؟ فقالوا هذا تلميذكم فلان ، يحاول إمساك البعير، فأمرهم أن يخبروه بأن يدع البعير وشأنه، فلم تعد له به حاجة، ففهموا من ذلك أن مقصدهم قد تحقق.
وقد استخدم الأدباء مصطلح "النوش" في أشعارهم إما تصريحا أو تلميحا، حيث نجد لمرابط امحمد بن أحمد يورَ يورد المثل العامي الشهير "عذر النواش" في إحدى روائعه التى ذكر فيها أماكن من مقاطعة الركيز حين قال:
ابنصّك ولل گاع ازيد امشَ تشواش ازمان ابعيد
وانتَ گايل عنّك مفيد
ءُ يَم التشواش اعليك اعماش
واتبان اعذرت ابلمهيريد
وابكتْبِيتْ اللَّه فالتشواش
ءُ هاذَ هو موگف توحيد
اللّكًّاط ءُ عذر النوّاش
واثرك لجيت ال تنبُزيد
من جيهت لُوّيد اللي خاش
فاجار امن امگَابل لغريد
ما يبگَال منّك منگَاش
والمثل يضرب عادة في الذي يفشل في إنجاز مهمة أوكلت إليه، فيبدأ في سرد الأعذار التى حالت دون إتمامها، تماما كما يفعل "النواش" إذاما انفلت ذيل الدابة من يديه؛ فيلقى اللوم على طبيعة الأرض، وقصر المضمار، وعرق اليدين وغير ذلك.
أما الأديب الأريب آدبّ بن الشيخ أحمد فقد أشار إلى النوش تلميحا في قوله "يَعْـمَلْ مُلاَنَ مَا تِنْتَاشْ" الوارد في نصه التالى:
عَگْلِ عَـنِّ لاَهِ تِمْـشِ ذَرْوَكْ نَافِدْ سِبِّتْ فِلْشِ
مَشْيَكْ عَنَّ مَاهُ مِنْشِ
نِحْنَ ذُ وَاحِدْ فِالتِّشبَاشْ
غِيرْ إلَ گِلْتْ ألاَّ تِمْشِ يَعْـمَلْ مُلاَنَ مَا تِنْتَاشْ
آنَ هـُوَّ الِّ مَـانِمْشِ وَاعِدْ سِبِّتْ فِلْشِ وَلاِّشْ
أما الشيخ الأديب محمد بن أحمد سالم الأبهمي، فقد صور لنا في قطعته التالية، مشهدا نادرا من مشاهد "النوش" ، بطله الشاعر نفسه، حيث ذكر أن جملا لشيخه كان قد شرد لفترة طويلة، حتى صار متوحشا لا يألف البشر، ثم إنه رجع - بعد مطاردة مع أسود شمامة- إلى مسارح “انيفرار” فبادر طلاب الشيخ
ومريدوه بملاحقته بهدف الإمساك به لكنهم عجزوا عن ذلك لقوته وشدة نفوره، فانتدب الشاعر القوي للمهمة وقام بها على الوجه المطلوب، وهذه الأبيات تشي بخبرة الشيخ في تطويع ضوال الإبل وشوارد اللغة
و معود صرع الكماة مشرد
أوحى إلي مقالة المتشدد
يا أيها الغادى يشمر ذيله
حدبا ليأخذ مقودي ومقيدي
كذبتك نفسك في شرود جافل
ذي مرة في نفسه متأبد
نجم المصيف عليه تدعو أنفه
قنن القتاد اليانع المتأود
كادت تقـدمه مخوض قادها
قدر إلى ركن لها مستأسد
بينا هما في غيضة قد طالما
طلبا جناها من مكان أبعد
شد السباع عليهما فعقرنها
ومضى لوجهته نجاء خفيدد
قلت اتئد فلســوف تبقى موثقا
قسرا ألد بغير قيد محصد
أنجتك من شرك السباع عناية
قادتك نحوي لاقطا لك باليد
فغدا تقود له التلامذ فى ذرى
شيخ كريم النجر هــاد مهتد
وأغلب الظن عندي أن الشيخ المذكور في الأبيات هو الشيخ أحمد الفاضل لأن الشاعر أخذ عنه هو وبنوه، ولِمَا يُكنه له الشيخ من التقدير والإعجاب ومن ذلك قولته الشهيرة فيه : عجبت لمن يضحك وليس عنده ابن عم كمحمد بن أحمد سالم، ثم إن الشيخ كان معروفا بكثرة الإبل وإلى ذلك يشير الشيخ سيد أحمد لحبيب بن المختار الفاضلي في منظومته للعبر بقوله: وماله من إبل ومن بقر الخ..
كامل الود
سيد محمد