في رحاب أسماء الله الحسنى

إننا نعيش في عالمٍ يموج بالأحداث، وتتزاحم فيه الهموم والمطالب، وكثيراً ما يشعر المرء بالضيق حين تغلق في وجهه الأبواب أو تتعثر خطاه.

وفي غمرة هذا العناء، نحتاجُ بشدة إلى وقفةِ تأملٍ عميقة مع اسم الله (اللطيف)؛ هذا الاسم الذي يسكب في الروح طمأنينةً لا حد لها، ويفتح للعقل آفاقاً من الفهم الواعي لأقدار الله.

​ماذا يعني أنَّ الله "لطيف"؟

إنَّ لُطف الله سبحانه يتجلى في بُعدين عظيمين:

- ​دقة العلم: فهو سبحانه الذي أحاط علمه بالسرائر والخفايا، فلا تغيب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض، ولا تخفى عليه خائنة الأعين وما تخفي الصدور. إنه يعلم "مستقر" كل دابة و"مستودعها"، وهذا يوجب علينا يقظة الضمير ومحاسبة النفس في كل حركة وسكون.

- ​رقة التدبير: وهو المعنى الذي يلامس حياتنا اليومية؛ فاللطيف هو البرُّ بعباده، الذي يسوق إليهم المصالح والإحسان من حيث لا يشعرون، ويعصمهم من الشر من حيث لا يحتسبون.

​تأملوا معي في آثار هذا اللطف:

- ​في طيات المحن: قد يذيق الله عبده بعض المكاره، ليصرف عنه بها شراً أكبر، أو ليرقيه إلى مقامات نبيلة لم يكن ليبلغها إلا بهذا الابتلاء؛ تماماً كما كان السجن والجبُّ في قصة يوسف -عليه السلام- هما "الجسر الخفي" للتمكين والملك.

- ​في ستر العيوب: من لطفه سبحانه أنه يدني المؤمن يوم القيامة، ويقرره بذنوبه حتى يظن العبد أنه هلك، فيقول له الكريم: "سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم". إنه اللطف الذي يستر القبيح ويظهر الجميل.

- ​في تدبير الرزق: أحياناً يكون "ضيق الرزق" هو عين اللطف؛ فالله يعلم أنَّ الدنيا والرياسة قد تقطع العبد عن طاعته أو تورثه طغياناً، فيصرفها عنه رحمةً به وحمايةً لدينه.

- ​في تكويننا الأول: انظروا إلى لطفه بجنين في ظلمات ثلاث، يتقلّب في أطوار الخلق حتى يخرج سوياً.. أليس الذي رعاك في ضيق الرحم، كفيلاً بأن يرعاك في ضيق الدنيا؟

​إنَّ الإيمان باسم الله اللطيف يربي فينا (أدب التوكل)؛ فلا نجزع من إدبار أمرٍ ظنناه خيراً، ولا نيأس من كربٍ سُدت مسالكه. اللطيف سبحانه هو الذي يقيّض لك الأسباب، ويحرك لك القلوب، ويمنع عنك المعاصي بـ "عوائق" قد تراها مزعجة، وهي في حقيقتها (حصانة ربانية).

​استرح في كنف اللطيف، واعلم أنَّ تدبيره لك ألطف من تدبيرك لنفسك، وأنَّ المنع منه ليس عجزاً، بل هو عطاءٌ في ثوبِ حماية.

في رحاب الأسماءالحسنى :
الله اللطيف

د. عبد الكريم بكار