إلى كل شاب يرقب الغيوم المتلبدة في سماء المنطقة، ويشعر أن أحلامه تضيق بفعل الحروب والتخبطات؛ أهدي إليك ثمار خبرة طويلة، ملخصها أن "العواصف الخارجية" لا تدمر إلا البيوت التي لم تُبنَ أعمدتها الداخلية بإحكام. إن مستقبلك ليس رهينة في يد السياسة، بل هو أثر لقرارك الواعي وسط هذا الضجيج.
إليك معالم الطريق لبناء ذاتك وصناعة أثرك في زمن الاضطراب:
1. الارتكاز على الركن الشديد (التقرب لله):
قبل أن تبحث عن مخرج في الأرض، ثبِّت خيطك مع خالقك. في أوقات الأحداث الكبرى، لا ينجو إلا من احتمى بـ (الخالق البارئ). التقرب لله ليس مجرد شعائر تُؤدى، بل هو مَصدر القوة النفسية والسكينة التي تجعلك ثابتاً حين يضطرب الناس، ومُبصراً حين تعمى الأبصار. إن من كان مع الله كفاه هم الزمان، ومَنحه (البصيرة) ليرى الفرص وسط الركام.
2. الفصل بين "دائرة القلق" و"دائرة الفعل":
أكبر فخ يسقط فيه الشاب اليوم هو الانغماس الكامل في أخبار الصراعات التي لا يملك تغييرها، مما يصيبه بـ (الشلل الفكري). خبرتي تقول لك: اقسم وقتك بصرامة؛ امنح الأخبار قدراً يسيراً لتعرف أين تضع قدمك، واصرف جُل طاقتك في "دائرة فعلك"؛ أي في دراستك، وعملك، وتطوير مهاراتك. المستقبل يُبنى بالعمل الصامت لا بالعويل أمام الشاشات.
3. الاستثمار في "السيادة المهارية":
في أوقات الأزمات، قد تنهار العملات وتضيع العقارات، لكن الشيء الوحيد الذي ينتقل معك ولا يسلبك إياه أحد هو (ما تتقنه في رأسك). اجعل هدفك أن تكون "خبيراً" في مجالك، فالعالم اليوم يتجاوز الحدود الجغرافية ليبحث عن (الكفاءة) أينما كانت. المهارة العالية هي "جواز سفرك" الحقيقي نحو الأمان المادي والمعنوي.
4. بناء "الصلابة النفسية" قبل المادية:
المنطقة تمر بمرحلة "تدافع" كبرى، والبقاء فيها للأكثر صبراً ومن يملك نفساً طويلاً. لا تبحث عن النجاح السريع الخاطف، بل ابنِ نفسك لتكون (مرناً) قادراً على النهوض بعد كل عثرة. التاريخ يخبرنا أن الذين صنعوا التحولات الكبرى هم الذين لم تكسرهم الهزائم العابرة، بل اتخذوا منها وقوداً لمسيرة أطول.
5. الحفاظ على "البوصلة الأخلاقية":
وسط التخبط، قد يغريك البعض بسلوك طرق ملتوية أو الانحدار نحو اليأس والعدمية. السيادة الحقيقية هي أن تظل متمسكاً بقيمك وأصالتك حين يتخلى عنها الآخرون. النجاح الذي يُبنى على أنقاض الأخلاق هو نجاح هش، أما الذي يُبنى على (الحق والإتقان) فهو الذي يبقى أثره ويُبارك فيه الله.
6. صناعة الأمل كواجب وجودي:
الأمل ليس ترفاً، بل هو (أداة عمل). الشاب الذي يفقد الأمل هو جندي وضع سلاحه قبل بدء المعركة. انظر إلى الأزمات على أنها "مخاض" لولادة واقع جديد، وكن أنت جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة. ابحث عن المبدعين والصالحين وجالسهم، فالمجانسة بالمجالسة.
الخلاصة:
إن المنطقة قد تضطرب لعقود، لكن الحياة لا تنتظر الحائرين. اصنع لنفسك "وطناً" من العلم والمهارة والخُلق، وسِر في أرض الله واثقاً بمدده؛ فالمستقبل ينحاز دائماً للذين استعدوا له برغم الركام.
بيوتنا وقلوبنا هي حصوننا الأخيرة.. فاجعلوها عامرة باليقين.
د. عبد الكريم بكار