وأنا أغادر نواكشوط سأحكي حكايتي مع موريتانيا التي تعرفنا… ولا نعرفها.

وأنا أغادر نواكشوط سأحكي حكايتي مع 
موريتانيا التي تعرفنا… ولا نعرفها.
منذ 2019، يشدّني إليها شيء لا أستطيع تفسيره..
رحلة طويلة تتجاوز 27 ساعة، تبديل طائرات، إرهاق، ومع ذلك أصل دائما بإحساس غريب: كأنني لم آتِ من بعيد، بل عُدت إلى مكان أعرفه وينتظرني.
في كل زيارة تمنحني وضوحا.
وفي كل مرة أخرج بسبب جديد للعودة.
ربما لأنني أبحث عنها.
أو أبحث عن شيء تركته هناك دون أن أدري.
في آخر نقطة من غرب إفريقيا، يقف بلد كأنه شُرفة تطلّ على بقية العالم.
تعرفهم من طريقة جلوسهم.
حلقة على الأرض، ملحفة مطوية بعناية، وبرّاد صغير على الجمر ينفخ بخاره ببطء.
واحد يصبّ الأتاي من علوّ.. خيط ذهبي رفيع يسقط في كأس صغير.. ثم يعيده إلى البرّاد، ويصبّ مرة ثانية، وثالثة، حتى ترتفع رغوة كثيفة.
لا أحد يستعجل.
لا أحد ينظر إلى ساعته.
الزمن هنا لا يمرّ… يتمدّد.
وبين الصبّة والصبّة، حديث هادئ عن العالم.
عن السياسة، عن الجيران، عن العرب، عن إفريقيا، عن المستقبل.
أصوات خفيضة لكنها واثقة، وعيون تراقب ما يحدث هناك بعيدا… من شرفتهم الهادئة.
بلد يبدو ساكنا… لكنه يفكّر كثيرا.
الأتاي عندهم ليس مشروبا.
إنه فلسفة في كأس.
ثلاث كؤوس، لكل واحدة طعم ومعنى.
الأولى مُرّة كالصبر.
الثانية أخفّ كالأمل.
الثالثة حلوة كالطمأنينة.
يقولون إن الحياة هكذا: تبدأ صعبة، ثم تخفّ، ثم تحلو لمن صبر.
وأنت لا تشرب الأتاي وحدك أبدا.
تشربه مع أحد، أو لا تشربه.
لأنه في العمق ليس عن الشاي، بل عن الصحبة، والوقت الذي نختار أن نمنحه لمن حولنا.
المفارقة هنا أن الموريتانيين يعرفون عنّا الكثير.
يعرفون أسماء مُدننا.
يتابعون تفاصيل أزماتنا وانتخاباتنا.
يعرفون نجوم شاشاتنا وحكاياتنا العامة.
في المقابل، كثير منّا.. بصراحة، لا يعرف عنهم شيئا.
بعض العرب لا يعرفون أن موريتانيا عربية أصلا.
وبعضهم لو طُلب منه أن يشير إليها على الخريطة لتردّد.
لا نعرف أن هذا البلد يضمّ عربا وبولار وسوننكي وولوف وأمازيغ، يتقاسمون أرضا واحدة وخمس لغات وإسلاما واحدا جعل منهم نسيجا لا يشبه أي بلد عربي آخر.
لا نعرف أن فيه مدنا من حجر وضوء صنّفتها اليونيسكو تراثا عالميا.. شنقيط ووادان وتيشيت وولاتة.. كانت ملتقى قوافل ومكتبات مخطوطات في زمن مبكر من تاريخ المعرفة.
لا نعرف المحاظر، تلك الجامعات المتنقلة التي رافقت البدو في حلّهم وترحالهم، تُخرّج علماء وشعراء على ألواح خشبية تحت سماء مفتوحة.. حتى لُقّبت موريتانيا ببلد المليون شاعر.
لا نعرف أن الحسانية التي يتحدثون بها هي من أقرب اللهجات إلى العربية الفصحى.
ولا نعرف موسيقاهم التي لا تشبه شيئا سمعناه، ولا الدراعة التي يلبسها الرجل ولا الملحفة التي تلفّ المرأة بألوان الصحراء.
لا نعرف كيف يعيش الناس يومهم. ولا بما يحلم شبابهم.
ربما لأن موريتانيا لا تسوّق نفسها ككارثة.
والعالم اعتاد أن يفتح عينيه جيدا فقط عندما يشتعل المكان.
زيارتي الأولى كانت في 2019، قبل أيام من تسلّم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مهامه.
جئت لتصوير حلقة برنامج قابل للنقاش.. كنت أحاول أن أكون قوية ومتماسكة.. فوالدي توفّي قبل شهر واحد فقط.
في يوم وصولي، رحل الباجي قائد السبسي الرئيس التونسي.
لم أبكِ كما توقعت.
مرّ الخبر باردا، كأن عقلي أغلق باب الحزن لأنه لم يعد يحتمل المزيد.
أجّلت الوجع، ومضيت.
في يوم عودتي إلى دبي، تأخرت الطائرة ست ساعات.
في صالة الانتظار كان الجميع يتابع مراسم الجنازة على شاشة فرانس 24.
هناك فقط سقط الجدار.
فهمت فجأة أن أبي رحل.
أن الغياب نهائي.
أن شهرا من التماسك كان مجرد إنكار مؤقت.
بكيت بحرقة كبيرة، كما لو أن الوداع يحدث في تلك اللحظة.
الناس ظنّوا أنني أبكي رئيسا.
لكن داخلي كان يبكي أبا.
عندما نادوا للصعود، حاولت أن أتحرك فلم أستطع.
توقفت عند البوابة، أرتجف، أتنفس بصعوبة.
قائد الطائرة رفض أن أصعد قبل أن أهدأ.
ثم جاءت.
امرأة موريتانية لا أعرفها.
جلست بقربي دون أن تسأل من أنا أو ماذا حدث.
نظرت إليّ، وكأنها قرأت القصة كلها.
وضعت يدها على ظهري
تربّت بحنان الأم التي تعرف تماما مكان الوجع.
بدأت تقرأ القرآن بصوت خافت،
كنت أشعر أنها تسمع كلاما لم أقله.
كأنها تعرف أنني فقدت أبي.. أنني حاولت أن أبدو أقوى مما أستطيع.
تعرف أنني في تلك اللحظة انهرت.
لم أنطق بحرف.
لكنها فهمتني.
بقيت معي حتى توقفت عن البكاء.. حتى هدأ ذلك النحيب الذي لم أكن أعرف أنه مخبّأ في داخلي بهذا العمق.
حتى عاد النَفَس منتظما.
حتى استطعت الوقوف.
صعدت إلى الطائرة، جلست في مكاني، وفجأة انتبهت: لم آخذ اسمها، ولا رقمها.
طلبت من المضيفة أن تعطيها رقمي قبل إغلاق الباب.
قالت إنها فعلت.
مرّت سنوات.
لم تتصل.
لكنني أعرف أنها موجودة في مكان ما.
تمشي في شوارع هذا البلد بهدوء، كما تمشي الطيبة دون إعلان.
ربما لهذا أعود كل عام.
لأن لي هناك لقاء لم يكتمل.
أبحث عن امرأة تشبه موريتانيا:
ترى ما لا يُقال،
وتمنح الأمان دون أن تطلب شيئا في المقابل.
كمن يصبّ لك كأس أتاي في صمت، ويجلس بقربك حتى يهدأ العالم.
إذا وصلت هذه الكلمات إليها يوما،
قولوا لها إن المسافرة التي بكت في المطار ما زالت تتذكر.
وما زالت تبحث.
وما زالت مدينة لها بالسلام الذي أعادها إلى نفسِها في أصعب لحظة من حياتها.

نوفر رامول