جدل المَقْعَدِ والرَّصِيف

جدل المَقْعَدِ والرَّصِيف:
مِنْ نِعَمِ الله عَلَي أنْ اكتشفتُ مُبَكِّراً أنَّ المَقْعَدَ الوَظِيفي- في بلادي- لا يُنالُ بالاسْتحقاق، بقدْرما يُنالُ بالنِّفاق،وأنَّه –تَبَعاً لذلكَ- قدْ سُلِبَ وظيفتَه الطبيعيةَ،فأصْبَحَ  المُوظَّفُ المُعَيَّنُ لا يُجْلَسُ عَلَيْه،بقدْر مَا يَجْلِسُ المَقْعَدُ عَلى المُعَيَّنِ فِيه،ويَعْترضُ غصَّةً في حَلْقِه،فلا يَتْرُكُ له منْ فُرْصَةٍ للتَّعْبيرِ عنْ رَأيِه،غَيْر المُكاءِ بالحنْجرة المأجورة، والتصْدِية باليديْن المُصَفِّقَتَيْن أبَدًا،وبالرِّجْلَيْن أحيانا،وهكذا لمْ يَعُدْ المَقْعَدُ يَرْفَعُ، بِقَدْر مَا صَارَ يَضَعُ،ولمْ يَعُدْ مَنْصِباً لِخِدْمَةِ الوَطَنِ،بقدْرِ ما صارَ مُكَرَّساً لِخِدْمَةِ مَانِحِهِ أوَّلاً، والمَمْنُوحِ لهُ ثانيا،ومنْ لمْ يَقْبَلْ بِمُقْتَضَيَاتِ العَقْدِ الضِّمْنِي،فمَصِيرُه رَمَضُ الرَّصِيفِ في أحْسَنِ مَآلاتِهِ،أوالسِّجْنُ في أسْوَءِ حَالاتِه،وأمام إكراهات هذا الوضع المختل المأزوم،أطلقت صرخة الرفض في قصيدتي"نزيف مشاعري":
أيريبك الصمتُ الذي يغشاني؟ القلب يهذي تحت صمتِ لساني!
آني أراك .. ولا أراك .. لأنني.  دانٍ.. بعيدٌ منك.. حين تراني
إني أشاركك المكان.. وربمت.  أرتاد كوْنا خلْف كل مكان
إني غريب بين قومي هاهنا... ليس المكان ولا الزمان زمي
أنا شاعرٌ .. قد فاض في وجْدانه نبعُ  الـمَعانِي.. مِن يَـدِ الرحمان
صمْتي:نزيفُ مشاعري..وعبادتي ومقدَّسٌ  مِلْءَ الخُطَى  هذَياني
مُلْكي..وعرْشي: بيتُ شِعْرٍ شارد في كل وادٍ .. أمْتَطِـي هَيَماني
رَمَضُ الرّصيفِ..أعزُّ لِي من مقعـدٍ يحشُو فَمِي..وَا صـرْخةَ الأوطان!
لولا القصائدُ - في فمي- تعويذة   لانسقْتُ .. في  دوامة الطوفان
في تَمْتَمَاتِـي .. ما تزالُ بقيةٌ   مِنْ كبْرياءِ  الحرْفِ .. مِلْءَ جَنَاني
رَبَّـاتُ عَبْقَرَ..قَـاسَمَـتْنِي مَوْثِقاً:  إنْ ذَلَّ شِعْرِي..ضَيَّعَتْ عنْــواني

الدي ولد آدب