المجتمع وأزمة القيم

المجتمع وأزمة القيم

نحن مجتمع يعيش أزمة قيم، وأزمة تربية، وغياب قدوة، وفقدان بوصلة أخلاقية. 
لقد أصيبت مجتمعاتنا في واحدة من أخطر ركائزها وهي: القدوة. 
وحين تغيب النماذج التي يتعلم منها الناشئة الوقار والأمانة والحياء واحترام الآخرين وضبط النفس، يصبح الفراغ الأخلاقي مفتوحا لكل مؤثر.

وقد ملأت وسائل التواصل جانبا من هذا الفراغ؛ فأصبح بعض أبنائنا يتلقون تربيتهم من «فيسبوك» و«تيك توك» و«سناب» أكثر مما يتلقونها من البيت والمدرسة والمجتمع. 
والمشكلة ليست في الوسائل ذاتها، وإنما في مجتمع فقد مناعته الأخلاقية، فلم يعد يميز دائما بين ما يقتدى به وما يجب الابتعا عنه.

وهنا تبرز فكرة الكاتب الكندي آلان دونو في كتابه "نظام التفاهة": فحين تتراجع القيم والمعايير، تصعد التفاهة إلى الواجهة، ويصبح الانتشار والشهرة ممكنين من دون علم أو موهبة أو قيمة. 
وقد أسهمت وسائل التواصل في تكريس هذا التحول، إذ منحت التافه فرصة لم يكن يحلم بها، وساوت في الظهور بين صاحب المعرفة وصاحب الضجيج. والخطر ليس في أن يتكلم التافه، فذلك حقه، وإنما في أن نمنحه نحن قيمة بالمتابعة والتفاعل والترويج؛ فكل اهتمام بالتفاهة يوسع حضورها.

والأخلاق ليست شأنا خاصا بثقافة دون أخرى، ففي الثقافة الأمريكية مثل شائع يقول: «لا تختر زوجة من حانة أبدا» (Never choose a wife in a bar) وهي عبارة تختصر معنى عميقا، وهو أن الإنسان العاقل لا يبحث عن الصفات التي يريدها في شريك حياته في البيئة التي لا يتوقع أن يجد فيها تلك الصفات. 
فحتى المجتمعات التي تختلف عنا في كثير من القيم تدرك أن البيئة والقدوة والاختيار الأخلاقي تصنع جانبا مهما من شخصية الإنسان والأسرة والمجتمع.

لقد أدرك أسلافنا أن التربية والتهذيب مقدمان على التعليم؛ ولذلك لم يكن التعليم عندهم مجرد حشو للعقول بالمعارف، وإنما بناء للإنسان قبل بناء العالم. ولعل دلالة تسمية مؤسسات التعليم في بعض البلاد ب«وزارات التربية والتعليم»، وفي موريتانيا ب«وزارة التهذيب الوطني»، تختصر هذا المعنى: فالغاية ليست أن نخرج إنسانا يعرف كثيرا، وإنما أن نخرج إنسانا يعرف كيف يستخدم ما يعلم.

وعلى ذلك بنى سلف الأمة مناهجه، يقول الإمام مالك بن أنس رحمه الله، في وصف عناية أمه بتربيته:
«كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه».
ويقول ابن وهب: «ما تعلمنا من أدب مالك أكثر مما تعلمنا من علمه». 
وقال ابن المبارك: «نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم».

فالأدب عند السلف لم يكن زينة للعلم، بل أساسا في كمال الإنسان: علم يهدي، وأدب يهذب، وأخلاق تضبط، وقدوة تجسد.

إن أخطر ما يهدد المجتمع  هو فقدان معاييره الأخلاقية؛ حين يصبح الوقح جريئا، والمتملق ذكيا، وصاحب الخلق موضع سخرية أو نسيان.

نحن بحاجة إلى استعادة التربية، وإحياء الأدب، واستعادة القدوة.
إنقاذ المجتمع يبدأ من التربية، والتربية تبدأ من القدوة، والقدوة هي الأسوة الحسنة.
فإذا هذبت الأخلاق صلحت الأمم، أما إذا فسدت فقد تهدم الأساس التي تقوم عليه.
وقد صدق شوقي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت :: فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

كامل الضياع

سيد محمد