وكأنّ أغاني "بنجه" هنا تفرض الوجود فرضاً.
لعلّ من وُلدوا بجانبها، وترعرعوا على صدى طبولها وهديرها، يحقّ لهم انتحال الصفة. يحقّ لهم أن يرددوها بأوتارٍ ملتهبةٍ، وبصوتٍ يعلو حتى يصير هديراً هائلاً يهزّ الذاكرة.
لكنها ليست كذلك.
فلا هي ببساطة "أَحْرَيْثِتْ لَوْدِي يَدَنْكْ تَكْجَايْ" التي تُغنّى على عجل، ولا بعفوية "أَقْبَازْ أَعْوَيْشْ كَالَتْ النَّارْ" التي تُطلقها النسوة في السمر.
ولا هي أيضاً بحسرة الرعاة والخدم في أغنية: "أَمْسِيكِينْ بِيبْ كَالُوهَا لَبْهَانِيسْ"، تلك التي تحمل في نبرتها كل وجع المهمّشين وكل دمعة تُكتم.
نحن جميعاً مثلهم.
كنا نسمع عن أخبار الذين عُبِّدوا في الماضي، عن حكايات تُروى همساً. فيصيبنا ما أصابهم: غطرسة المستعمر مع الأهالي، وحيف "الهنتاتة"، وبطش قطاع الطرق.
تاريخ يتكرر بأسماء جديدة، وجراح تُنقل من جيل إلى جيل في قالب أغنية.
إن "بنجه" ليست مجرد مكان على الخريطة. إنها ذاكرة، وهيئة اتهام، ومرثية.
وحين تُغنى أغانيها خارج سياقها، بلا أوجاعها وبلا دمها، تصبح مجرد ضجيج. أما حين تُغنى من قلب الجرح، فإنها تفرض الوجود... وجودنا نحن.
يحيى بيّان