"كل كذبة نقولها يترتّب عليها دَيْن للحقيقة. وعاجلا أو آجلا يُسدَّد ذلك الدَّيْن".

"كل كذبة نقولها يترتّب عليها دَيْن للحقيقة. 
وعاجلا أو آجلا يُسدَّد ذلك الدَّيْن".

هكذا لخّصت سلسلة تشيرنوبل منطقَ الكوارث، على لسان فاليري ليغاسوف، عالم الكيمياء النووية السوفييتي وأحد أبرز المشاركين في التحقيق في الكارثة.

إنها لا تبدأ لحظة الانفجار، بل قبلها؛ حين تتراكم التجاوزات ويُمرَّر الخلل، إلى يوم تأتي الحقيقة دفعة واحدة.

تقريرُ لجنة التحقيق في حرائق صوملك يقول، في جوهره، إن النار لم تبدأ يوم اشتعلت المحطة، بل بدأت يوم اختُصر الزمن الذي تحتاجه الهندسة.

أجلٌ من أربعة أشهر فُرض لإنجاز مشروع يقول المختصون إنه يحتاج عشرة إلى اثني عشر شهرا على الأقل، ولم يكن المشروع قد استُلم حتى بعد مرور تسعة عشر شهرا.

وهنا لا يعود الأجل رقما في دفتر شروط، بل جزءا من أصل المشكلة. فاللجنة نفسها تشير إلى أن آجالا غير واقعية من هذا النوع تُضيّق المنافسة وتُبعد شركات لا تقبل أن تتعهد بما تعرف أنه لا يُنجز وفق الأصول.

ثم توالت الحلقات: صفقة قُدّرت بـ 880 مليون أوقية قديمة، ورست بـ 1.2 مليار.

شركةٌ رأى خبراء الصفقات الذين استعانت بهم اللجنة أنها لم تكن مؤهلة أصلا.

كابلاتٌ تمثل نحو 80 % من قيمة الصفقة، جرى تغيير مُصنّعها دون تقديم الاختبارات المطلوبة للنوع المعتمد فعليا، ودون ملحق تعاقدي يوثق التغيير.

رقابةٌ فنية وصلت بعد دفن الكابلات، واختلالاتٌ سُجّلت، وسماحٌ بوضعها تحت الجهد رغم تلك الاختلالات، ثم تحميلها كهربائيا رغم اعتراض المهندس الاستشاري. فوقع حريق بعد ستة أيام من تحميل إحدى الوصلات، وآخر بعد يومين من تحميل الأخرى.

لم تقل اللجنة إن الكابل وحده هو سبب الحريقين، ولم تحوّل الإهمال إلى إدانة جنائية. لكنها كشفت ما هو أوسع من عطل منفرد: سلسلة من الاختلالات امتدت عبر مراحل المشروع. وهنا تقع المسؤولية السياسية.

فحين يفشل إعداد المشروع، ثم التأهيل، ثم التعاقد، ثم الرقابة، ثم الاختبار، ثم التشغيل، فلا تعود المسألة حادثا فنيا معزولا، بل خللا في منظومة القرار نفسها.

وليس السؤال الأول اليوم ما الذي احترق؟ بل مَن وضع أجل الأشهر الأربعة؟ وعلى أي أساس؟ وهل تحولت "الاستعجالية" إلى ذريعة لاختصار الزمن الذي لا تختصره الهندسة؟ ومَن الذي أجاز تحميل الوصلات كهربائيا رغم اعتراض المهندس الاستشاري؟

نشرُ الملخص التنفيذي خطوة هامة، بل ضرورية. لكن القيمة الحقيقية للتحقيق تبدأ بنشر التقرير كاملا وترتيب المسؤوليات، لا باستبدال الكابلات فقط. فالمحطات يمكن إصلاحها. أما الدولة، فلا تصلحها المعدات، وإنما تصلحها القواعد حين تُحترم، والرقابة حين تعمل، والمسؤولية حين توجد.

إن كلّ تجاوز يُرحَّل هو دَيْن جديد للحقيقة. وقد بدأت الفاتورة تصل.

احمد ولد هآرون