(الساطع الإخباري) – لا تحتاج معرفة واقع الأرياف الموريتانية إلى تقارير مطولة أو دراسات معقدة؛ فجولة قصيرة في إحدى القرى تكفي لاكتشاف جانب من الظروف الصعبة التي يعيشها السكان، في مناطق ما تزال تعاني من الفقر، وضعف الخدمات التعليمية والصحية، وشح المياه، وصعوبة الوصول إلى أبسط مقومات الحياة.
وتبدو المفارقة واضحة بين واقع هذه المناطق وما تزخر به موريتانيا من ثروات طبيعية واقتصادية متنوعة، من الحديد والنحاس والذهب والأسماك وغيرها من الموارد التي تشكل جزءاً مهماً من مقدرات البلاد.
أين نصيب الريف من الثروة الوطنية؟
ومن يقترب من واقع سكان القرى، ويعاين ظروفهم المعيشية عن قرب، يجد نفسه أمام سؤال يتكرر منذ سنوات: ما نصيب سكان الريف من ثروات بلدهم؟ وما حجم ما وصل إلى هذه المناطق من مشاريع تنموية وخدمات أساسية منذ الاستقلال وحتى اليوم؟
فالمواطن الريفي لا يبحث بالضرورة عن امتيازات خاصة، بقدر ما يحتاج إلى مدرسة جيدة لأبنائه، ومركز صحي قريب، ومياه صالحة للشرب، وطرق سالكة، ودعم للزراعة والتنمية الحيوانية، بما يمكنه من البقاء في أرضه والعيش فيها بكرامة.
هجرة الريف.. مشكلة تتوسع:
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت مناطق ريفية عديدة هجرة متزايدة باتجاه المدن، بحثاً عن الخدمات وفرص العمل والتعليم والعلاج.
وقد أدى هذا التحول السكاني إلى توسع المدن وارتفاع الضغط على الخدمات، في الوقت الذي فقدت فيه القرى جزءاً من سكانها النشطين، وهو ما يطرح تحدياً تنموياً يتجاوز حدود الريف ليشمل مستقبل المدن نفسها.
فالريف الذي يفتقر إلى الخدمات اليوم قد يتحول سكانه غداً إلى طالبي خدمات في المدن، وهو ما يجعل معالجة أسباب الهجرة أكثر أهمية من التعامل مع نتائجها بعد وقوعها.
شعارات الاهتمام بالفئات الهشة.. وماذا عن سكان الريف؟
كثيراً ما حضرت في الخطاب الرسمي عبارات الاهتمام بالفقراء والشرائح الهشة، غير أن واقع سكان الأرياف يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى استفادة هذه الفئات من البرامج والسياسات الموجهة لمحاربة الفقر وتحسين الظروف المعيشية.

فإذا كان سكان الريف يعتمدون بدرجة كبيرة على الزراعة المطرية والتنمية الحيوانية، فإن ضعف الأمطار أو انعدامها في موسم زراعي قد ينعكس مباشرة على غذائهم ودخلهم ومواشيهم، الأمر الذي يجعل التدخلات الاستباقية وبرامج دعم الريف ضرورة متجددة.
عام قليل الأمطار.. ماذا أُعد للقرى؟
ومع تسجيل موسم مطري ضعيف في عدد من المناطق، تتزايد المخاوف لدى سكان الأرياف بشأن مستقبل الزراعة والمراعي والثروة الحيوانية.
وهنا تبرز أسئلة أخرى تنتظر إجابات واضحة: ماذا أُعد للقرى والأرياف في هذا العام قليل الأمطار؟ وما هي الإجراءات المتخذة لمساعدة المزارعين والمنمين؟ وهل توجد خطط للتعامل مع تداعيات نقص المراعي والمياه؟
وهي أسئلة لا تخص سكان الريف وحدهم، بل ترتبط بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.
الواقع لا يحتاج إلى مكابرة:
ومن يشكك في حجم التحديات التي تواجه سكان الريف، يمكنه ببساطة أن يقوم بزيارة ميدانية إلى قرى ومناطق من لعصابة وكيدي ماغه والحوضين وتكانت، وأن يلتقي السكان بعيداً عن المكاتب والتقارير، ليستمع مباشرة إلى مطالبهم ويرى ظروفهم اليومية.
فالمشهد الذي يراه الزائر في بعض المناطق الريفية يختصر الكثير من الكلام: قرى تحتاج إلى المدارس والمراكز الصحية والمياه والطرق، ومزارعون ومنمون يواجهون ظروفاً مناخية واقتصادية صعبة، وشباب يغادرون مناطقهم بحثاً عن فرص أفضل.
التنمية تبدأ من الريف:
إن بناء مدن قوية ومستقرة لا ينفصل عن بناء ريف قادر على الإنتاج والاستقرار. فكلما تحسنت ظروف القرى، تراجعت دوافع الهجرة، وتعزز الإنتاج الزراعي والحيواني، وازدادت قدرة السكان على الاعتماد على مواردهم المحلية.
ويبقى الاستثمار في الريف استثماراً في مستقبل البلاد، لأن القرية ليست مجرد تجمع سكاني بعيد عن المدن، وإنما جزء أساسي من الاقتصاد الوطني والنسيج الاجتماعي الموريتاني.
فهل تتحول معاناة الريف الموريتاني من ملف موسمي يظهر مع كل أزمة إلى أولوية تنموية مستدامة؟