(الساطع الإخباري) قبل أن تختصر السيارات والشاحنات المسافات، وقبل أن تصبح الأسواق قريبة من التجمعات السكانية، كان الموريتانيون يعتمدون على القوافل في جلب حاجياتهم، وكانت «الرفكة» واحدة من أبرز صور الحياة الاجتماعية والتجارية في ذلك الزمن.
لم تكن الرفكة مجرد رحلة عابرة، بل كانت مهمة جماعية تتطلب التخطيط والخبرة والصبر، ويشارك فيها الرجال بالجمال والزاد والماء والحبال وأدوات حمل البضائع، لتقطع القافلة مسافات طويلة نحو مناطق مختلفة من البلاد.
ما هي الرفكة؟
يطلق الموريتانيون اسم «الرفكة» على قافلة من الجمال، تتكون عادة من ثلاثة جمال فما فوق، يرافقها عدد من الرجال يسلكون طريقًا واحدًا ووجهة واحدة، بغرض جلب منفعة مشتركة، كالحبوب والملابس والملح وغيرها من الحاجيات.
وكانت الرفكة تمثل في جوهرها صورة من صور التعاون والتكافل، إذ لا تعود فائدتها على شخص واحد، وإنما يستفيد منها الفريك أو الحي أو الحلة، كلٌّ بحسب حاجته ومشاركته.
والقافلة ليست ظاهرة حديثة، بل عرفها الإنسان منذ القدم، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في قصة يوسف عليه السلام، حيث قال الله تعالى:
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ۖ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ ۖ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.
الجمل.. رفيق الطريق وحامل التجارة
كان الجمل العمود الفقري للرفكة، فهو وسيلة النقل التي تحمل المؤن والبضائع عبر المسافات الطويلة، وتتحمل مشقة السفر وقلة الماء وصعوبة الطرق.
وكانت بعض صغار الجمال تُهيأ لهذه المهمة وتُدرب قبل أن تشارك في الرحلات الطويلة، بحسب الحاجة وقدرتها على حمل الأثقال.
ولم تكن الجمال وحدها كافية؛ فالرفكة تحتاج إلى رجال ذوي خبرة يعرفون الطرق ومواطن الماء، وتحتاج كذلك إلى دليل يستطيع تحديد الاتجاهات وتجنب المسالك الصعبة.
الحبال والقِرَب وأوعية البضائع
من مستلزمات الرفكة أيضًا الحبال، التي تستخدم لتثبيت الأمتعة والبضائع فوق ظهور الجمال، ولذلك كان اختيار الحبال المتينة أمرًا ضروريًا لضمان سلامة الحمولة أثناء الرحلة.
أما الماء، فكان يُحمل في القِرَب المصنوعة من الجلود، بينما كانت الأوعية الحديدية تستخدم أحيانًا وبشكل أقل شيوعًا.
وكانت للبضائع أوعية خاصة، من أبرزها «المزود أو الشك»، وهو وعاء كبير يصنع من جلود الأبقار، وقد تصل حمولته إلى نحو 300 كيلوغرام، إضافة إلى «الظبي أو الترفاط»، وهو وعاء متوسط الحجم يصنع من جلود الماعز، وقد تبلغ حمولته نحو 150 كيلوغرامًا.
ثلاث وجهات.. وثلاثة أنواع من الرفكة
ارتبطت الرفكة في الذاكرة الموريتانية بعدة أنواع، وفقًا للسلع والوجهات، ومن أبرزها:
رفكة الحبوب:
وكانت تتجه نحو الجنوب والجنوب الشرقي لجلب مختلف أنواع الحبوب التي تحتاجها الأسر والمجموعات.
رفكة الملح:
وكانت تتجه نحو المناطق الشمالية لجلب الملح.
رفكة «أمرسال»:
وكانت وجهتها كذلك نحو الشمال، لجلب ما تحتاجه المجموعة من هذه المواد.
الرفكة والخَطْرة.. رحلتان مختلفتان
لم تكن كل الرحلات التجارية تسمى رفكة؛ فقد عرف الموريتانيون كذلك «الخَطْرة»، وهي رحلة أقصر وأقل مشقة، يكون هدفها غالبًا جلب حاجة محدودة للأسرة.
وكان يمكن استخدام الحمير أو الثيران في مثل هذه الرحلات، خلافًا للرفكة التي ارتبطت أساسًا بالجمال والرحلات الأبعد والأثقل.
فالخَطْرة أقرب إلى تلبية حاجة خاصة ومحدودة، بينما كانت الرفكة ذات منفعة جماعية تشمل الفريك أو الحلة أو الحي بأكمله.
حين كانت الرحلة مسؤولية جماعية
كانت الرفكة في ذلك الزمن أكثر من وسيلة لجلب البضائع؛ فقد كانت مدرسة في التعاون والصبر وتحمل المشاق، وكان نجاحها يتطلب اتفاق أفراد المجموعة وتوزيع المهام ومعرفة الطرق ومواطن الماء.
ومن الذاكرة الشعبية المرتبطة بالقوافل قولهم:
«القافلة تمر والكلاب تنبح»، وهو مثل ظل حاضرًا في الثقافة الشعبية، ويُضرب فيمن يمضي في طريقه ولا يلتفت إلى ما يقال عنه أو ما يعترضه من عوائق.
ومع تطور وسائل النقل وانتشار السيارات والشاحنات وتغير أنماط الحياة، تراجعت الرفكة تدريجيًا، وأصبحت اليوم جزءًا من الذاكرة التراثية الموريتانية، تستحضر زمنًا كان فيه الجمل وسيلة نقل أساسية، وكانت القافلة تحمل فوق ظهورها ليس البضائع فقط، بل حاجيات حي كامل وأمل أهله في العودة بما يسد حاجتهم.
إنها حكاية الرفكة.. حين كان الطريق طويلًا، وكانت المسافة تُقاس بخطوات الجمال، وكانت حاجيات الحي تسافر في قافلة واحدة.
إدارة التحرير : لخانة الساطع "عين على التراث "