العلامة الصالح ألفغ الخطاط

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 3 أغسطس 2020 - 12:03 صباحًا
العلامة الصالح ألفغ الخطاط

أعلام الصحراء(25):
العلامة الصالح: ألفغ الخطاط

نتناول الليلة بالتعريف أحد أشهر صالحي وعلماء الصحراء بصفة عامة ومنطقة الساحل بصفة خاصة، رجل افتتن الناس بصلاحه فشاعت على ألسنتهم عبارة: “يشيخ آبيه”، وتسابقوا على نكاح كريماته فكان سواد عظيم من الصحراويين يمتون له بالبنوة من ناحية بناته وحفيداته بدرجة قل وأن اجتمعت لأي شخص آخر في هذه الصحراء..

هو عمر (الملقب آبيه) بن محمد بن عمر أوبك بن يعقوب بن إدريس بن تڭدي الجد الجامع لبطن أولاد تڭدي البارتلي نسبة إلى قبيلة بارتيل، وهي قبيلة نواتها أنصارية التفت حولها مجموعات من الصناهجة والبربر من سكان الصحراء الأقدمين وانتشرت في إينشيري وحول بوتلميت وفي الحوض، قال العلامة محمد سالم بن عدود ذات مرة عندما نقل بعض الفوائد من خط الشيخ أحمد محمود نجل الشيخ آبيه:
فإن أحمد محمود كوالده الــــــــــــخطاط من أمره قد كان ما كانا
ومن تكن طينة الأنصار طينته … يطب فروعا وأغصانا وأفنانا

ووالدة الشيخ آبيه ترزكه بنت أشفغ عبدي المجلسية.

حفظ آبيه القرآن وتلقى مبادئ العلوم في محيطه الأسري خصوصا في بيت أخواله المجلسيين، ثم قصد محظرة العلامة أشفغ انجبنان الألفغ حيبلي فأخذ عنه اللغة، ومن عنده إلى الفقيه الصالح القاضي ول اعل ممُّ السباعي حيث أخذ الإفتاء في المذهب المالكي.
ثم أراد التصوف فقصد زاوية الشيخ سيد احمد لحبيب السجلماسي حيث حصل على تصدير في الطريقة الشاذلية، فكان من أقدم مصادرها في الجزء الغربي من الصحراء.

وكان غاية في حسن الخط فلقب بـ”الخطاط”، كما عدّ من أبرز فقهاء عصره فنُعت بـ”ألفغ” التي هي تحريف عامي لـ”الفقيه”، وهكذا صار علمه عند الناس “ألفغ الخطاط”.

عاد ألفغ الخطاط من رحلته فالتف حوله الطلاب والمريدون وتنقلت محظرته بين أرض آكشار وتازيازت وتيرس وربما رجعت إلى آوكار جنوبا، وعنه أخذ كثر من الأعلام، منهم: فحل تيرس سيد عبد الله بن الفاظل الباركي، والعالم الصالح الحاج المختار، والفقيه حامد بن أعمر البارتلي شيخ محمد بن محمد سالم المجلسي، وابنه العلامة أحمد محمود بن آبيه، وأحمد خرشي بن مسكه بن باركلّ، وآفلواط بن مولود بن باركلّ.

وضع طرة على مختصر الشيخ خليل عرفت في المحاظر الصحراوية بـ”طرة آبيه”، وهي واحدة من أقدم الطرر في الصحراء التي اهتمت بتبسيط إيجازات المختصر.

وله هذه القطعة الشعرية التضرعية الدالة على تمكنه من أساليب الشعر:
إليك رفعنا الأمر يا من له الأمر … وليس لنا زيد سواك ولا عمرو
ومنك التمسنا النصر والعز منحة … ومنك ينال العز أجمع والنصر
توكلنا وقف عليك وكل من … توكله وقف عليك له الظفْر
وليس لنا نرجوه يكشف ما بنا … سواك ومن يدعو سواك فمغتر
دعوناك مولانا ونحن أذلة … لتكشف بلوانا فقد مسنا الضر
إذا اعتز أقوام علينا بجاههم … فإنا تعززنا بمن أمره الأمر
فإن أمنوا فينا من الله مكره … فذاك دليل قد يحيق به المكر
وإن هم أسروا غدرنا في نفوسهم … فقد خاب من كانت سريرته الغدر
فنصبر حتى يحكم الله بيننا … وإن نحن متنا قبلُ فالموعد الحشر
عسى فرج يأتي به الله إنه … له كل يوم في خليقته أمر

وكان ألفغ الخطاط مشهورا بالخوارق، من ذلك ما يروى من قصة لمجيدري حين مقامه بمصر، حيث جاءت جنازة ذات ليلة فقال المصريون: ننتظر بالدفن الصباح، فقال لمجيدري: بل أسرعوا بها فإن في الحديث: “لا تجمروا موتاكم” قال: والإجمار الإبطاء في دفن الميت، فقالوا: وهل من شاهد على ذلك؟ قال بلى، قول المتقدم:
معاويَ إما أن تجهز أهلنا … إلينا وإما أن نؤوب معاويا
لأجمرتنا إجمار كسرى جنوده … ومنيتنا حتى مللنا الأمانيا
قالوا: هذه مكتبات مصر فيها ما قال العرب فإما أن تخرج لنا البيتين وإما أن لا نعتد بما قلتَ، فدخل المكتبة ولا ضبط له لاسم كتاب فيه الشاهد، فكأنه أصابته سِنة، قالوا: فأتاه فيها ألفغ الخطاط فدله على اسم الكتاب ورقم الصفحة، فأخرجه لهم.
ولما أراد لمجيدري مغادرة مصر حمل له أميرها جمالا من الكتب، ولما عاد إلى الصحراء أرسل أحدها إلى أحمد محمود بن ألفغ الخطاط حيث أن ألفغ الخطاط كان قد توفي، وفي تلك يقول له المختار بن بونَ في المشاعرة الشهيرة التي جرت بينهما:
إلى ولد الخطاط أهدى بعيره … على أنه في النوم منه تعلما

حظي الشيخ آبيه وحضرته العلمية والصوفية باحترام كبير في عصره، فكانت حرما آمنا ومنهلا مورودا لطلاب العلم وتصفية النفس، ولا يزال صيتُ أسرته إلى يومنا هذا ملء الأسماع والأفواه معبرا عن حجم ذلك الإحترام.

يقول تلميذه أحمد خرشي بن مسكه الباركي:
إن نابني ضرر أو مسني غيّر … ناديتُ يا عمر الخطاط يا عمر
نادِ حبيبك واتيا على عجل … غوثا لجارك حتى لا يُرى ضرر

وكانت وفاته سنة 1776 ودفن عند آنتر شمال بنشاب من بلاد آكشار أزفال، وهو مزار مشهور:
ياهل الملزم ياهل آليل … ياهل الروضه ياهل (آنتر)
أم الخيرات اترَ اطفيل … ما يبڭَ بيه الما ابشر

ويقول ول محمد خويَ المجلسي ذات زيارة لروضة آنتر:
يلّ علمك ما فيه اغلاط … وافطن عنهَ ماهِ زورَ
يشيخِ يشفاغَ الخطاط … أمال أخبارك مشهورَ
اخليل اشرحت بالطرّ … مَ كان اڭبلهَ يُڭرّ
مزغوبَ عاڭبهَ صرّ … فالمشهور ادوّر تورَ
والّ جايبلك مَضرّ … يرجع واخلاڭُ مسرورَ
هاذَ حبيب الله امعاك … محمدُّ وامعاك أياك
إلَ جينالكم مانِ شاك … عنْ لاهِ تبڭالِ دورَ
ما ريناهَ عند الفكاك … بلعجلَ ماهِ مجرورَ

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة وكالة الساطع الإخباري الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.