احمد ولد محمد صالح

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 29 مارس 2020 - 10:43 مساءً
احمد ولد محمد صالح

أحمد ولد محمد صالح

استجابة لطلب من الأخ عبدالله احمد محمد أعيد نشر ورقة كتبتها عن الوزير أحمد ولد محمد صالح سنة 2010 في المشهد الموريتاني.
ومع أن في إعادة نشرها تلبية للطلب الأخ فإن في طولها كذلك إعانة للماكثين في البيوت جراء حظر التجول لتمرير بعض الوقت.

بمنعرج الألوى فقلت بسقطه :: وبين لوى الدهنا وسفحهم بحرُ
تقول نساء الحي تيما بعيدة :: ودون حِمى لبنى المَهامهٌ والقفر
ناجي

فى تاريخ غير محدد على وجه الدقة نزل مدينة زارا المالية ، “النوارة” حاليا ، الرجل الفقيه إبراهيم بن أبي بكر الملقب بـ “بيك ” مع ابنه محمد قلي.
ولما كان ابراهيم حسن السمت والسيرة عالما بالعلوم الشرعية الإسلامية فقد رغب رئيس القرية فى تزويجه من ابنته التى تزوجها وأنجبت محمد” وفى ذلك المحيط الذى تغلب علية السمرة والسواد سمي محمد بن ابراهيم فاتح البشرة محمد “قِلّي” أو”غِلّي” بقراءتين وتعني “الأبيض” بالسونوكية وسميت ذريته الأغلال أو الأقلال كل حسب قراءته.

تعلّم محمد قلي العلم على أبيه و تخرّج عليه عالما أديبا زاهدا متصوفا راسخا في علوم الشرع واللغة , و حجّ مع والده , و لما عادا إلى ” زارا ” موطن إقامتهما توفي والده إبراهيم.
يمّم محمد قلي مدينة آبير ” شنقيط القديمة ” من مدينة زارا ونزل على قبيلة إدوعلي وكان ذا ورع وعلم وصلاح ، فزوجه يحيى ول ابنو العلوي صغرى بناته عائشة “رازكه” فكانت أما لولديه محم ومالك وبنته فاطمه فطاب به المقام فترة بين ظهراني ادوعلي في آبير لينتقل الى المكان الحالي لمدينة شنقيط ليلتحق به بعد ذلك ثلاثة رجال من أهل آبير بعد خلاف دار بين أهل آبير و قد نزل محمد قلى فى الطرف الغربي من جبل “شنقيط” الذي تقع القرية القديمة على طرفه الآخر , فتمخض عن هذا و ذاك ميلاد مدينة شنقيط الثانية بفضل جهود محمد قلي وأعمر يبني و انضم إليهما المنفي يحيى بن علي والذى يقول عنه حفيده العلامة سيد عبد الله بن الحاج ابراهيم العلوي فى ” صحيحة النقل “:
” وكانوا – أي ادوعل فى آبيرْ – يقتلون من قَتلَ ، حتى قتل جدنا يحي قتيلا، فقال بعضهم: نقتله، وقال بعضهم نطرده، ثم طردوه ولم يقتلوه لشرفه فيهم وعلو منزلته. فجال في البلاد”.

رزق محمد قلي ولدين وبنتا ، هم مالك ومحم وفاطمة.
فاطمة هي ” والدة شرفاء لقلال تزوجها الشريف سيدي الذي أنجبت له : ” هاشم ” جد ” لهواشم” ، و”المقدم” جد ” المقدمين “.
وأما ولداه مالك ومحم “محمد ” فمالك ، هو الجد الأعلى لأولاد مالك ، وأما محم فأنجب أخوين شقيقين هما : أحمد وموسي.
أحمد هو جد ” أولاد أحمد ” ، أما موسى ، فهو جد أولاد موسى بشقيهم البيض والكحل.

هاجر من أولاد موسى شرقا وجنوبا من هاجر وبقي فى شنقيط من بقي ، وممن بقي فى شنقيط من أولاد موسى الكحل انحدر أهل محمد صالح.

وفى شنقيط فى العقد الثالث من القرن الماضي ولد أحمد ولد محمد صالح ترعرع بين رمالها الذهبية التى تضاهي فى العراقة رمال عالج وحزوى غيلان والدهناء ، حيث المحاظر راسخة القدم عالية الكعب ضاربة فى أعماق التاريخ محاظر أولاد موسى الكحل “أهل حبت وأهل البشير ” ومحاظرأولاد أحمد ” وأهل حامني “..
بعدما تزود أحمد من معين المحظرة دخل المدرسة النظامية ونال شهادة ختم الدروس الإبتدائية وانخرط فى سلم المترجمين ” أملاژ ” وجاب أصقاع المنتبذ القصي.

فى سنة 1957 وقعت حرب فى تگانت بين قبيلة تجكانت وقبيلة كنته وأرسل الوالي الفرنسي المترجم أحمد ولد محمد صالح مع فرقة من الدرك للفصل بين القبيلتين وقدم الأمير عبد الرحمن ولد اسويد أحمد وجمع بحكمته أعيان القبيلتين فى مدينة تجگجه بحضور الوالي الفرنسي وتم الصلح وكان أحمد ولد محمد صالح هو الترجمان.

ويتذكرالفنان سيداتي ولد آبهرحمه الله أن أول أغنية أداها للإذاعة كانت سنة 1958 حين أتى إلى مدينة تجگجة ” ديارا ” يبحث عن جمل ضال فطلب منه الوالي الفرنسي البقاء حتى يسجل شريطا للإذاعة متعهدا له بإرسال من يبحث له عن الجمل وكانت الترجمان وقتها بينه وبين الوالي كما يقول هو أحمد ولد محمد صالح .

مع الاستقلال الداخلي طرحت مشكلة الإدارة الإقليمية وضرورة إحلال أطر وطنيبن محل الأطر الفرنسين و من أجل معالجة هذا الأمر المستعجل كان الباب الوحيد المفتوح أمام الحكومة هو أن نختار من بين وكلاء الإدارة الموريتانيين من مترجمين وكتاب ومعلمين ، أمثلهم مستوى ممن يمكنهم أن يساعدوا في تولي القيادة الإقليمية على مستوى الولايات والمقاطعات والمراكز الإدارية فتم اختيارمجموعة كان من ضمنها أحمد ولد محمد صالح المترجم المتمرس.

فى 2 مايو 1958انعقد مؤتمر ألاك التاريخي شاركت فيه الأحزاب الثلاثة: الإتحاد التقدمي الموريتاني وحزب الوفاق وكتلة گورگل وكان من أهم قرارات المؤتمر هوصهرالأحزاب السياسية فى حزب واحد هو حزب التجمع الموريتاني “prm” يقول ولد محمد صالح وهو عضو عن الاتحاد التقدمي: ” كنا نهدف إلى توحيد الموريتانيين لأنهم كانوا متفرقين ومتباعدين فسكان الحوض كانت لهم علاقة وطيدة مع مالي للاعتبارات الجغرافية ونفس الحال مع سيلبابي وسكان الضفة كانوا على صلة بالسنغال وسكان الشمال على صلة بالمغرب.

كما كان المشكل الثقافي ملحا وخطيرا فالبعض مثلا يطالب بالتعريب بينما يصر البعض الآخر على إبقاء اللغة الفرنسية وبالتالي كنا فى أشد الحاجة للتوحد وجمع الكلمة خاصة فى الميدان السياسي فجاءت فكرة حزب التجمع .

وفي 6 أكتوبر1958 قررت الحكومة ابتعاث ثمانية متدربين إلى معهد ما وراء البحار للدراسات العليا فى باريس لتلقي تكوين سريع خلال سنتين، وهي شعبة أنشئت إذ ذاك لتستجيب لحاجات التكوين السريع التي تحتاجها بلدان المجموعة الفرنسية الإفريقية في المجال النظري بالنسبة للأطر المتوسطة التي حصلت على خبرة إدارية جيدة.

وتألفت المجموعة الأولى التي تم اختيارها من أحمد ولد محمد صالح وأحمد بزيد ولد أحمد مسكه وكي سوماري ، ومحمد سالم ولد مخيطرات ، ومام لي ، والدي ولد إبراهيم ، ومحمد الأمين ولد حامني، وسيدي محمد ولد عبد الرحمن.

1960 عين أحمد ولد محمد صالح واليا على تگانت لخبرته بالمنطقة حيث عمل سابقا ، ويقول سيداتي إن الوالي ولد محمد صالح أرسله إلى انواكشوط لينعش برامج الإذاعة الوطنية ، فشارك رفقة المختار ولد الميداح وسيد أحمد البكاي ولد عوّ فى انعاش الإذاعة ، ثلاثي يصفه المؤرخ محمد ولد مولود ولد داداه بأنه استطاع بفنه ” أزوان ” أن يخلق هوية وطنية جامحة معتزة بخصوصيتها ورافضة الذوبان فى أي فضاءات أخري.

ومع ارهاصات الإستقلال دخل المنتبذ القصى فى دوامة من التجاذب السياسي خاصة بين حزب التجمع الحاكم وحزب النهضة والذى بلغ ذروته بعد المصادمات بين النهضة وقوى الأمن فى انواكشوط والتى اعتقل على إثرها أعضاء المكتب التنفيذى لحزب النهضة ووضعوا تحت الإقامة الجبرية فى تيشيت التى نقلوا إليها بالطائرة فى وقت متأخر من الليل ومن الغريب أن إذاعة الساعة السابعة صباحا من الرباط هي التي علم من خلالها المتعاطفون مع النهضة باعتقال الزعماء وعندما انثالوا إلى محل إقامة الزعماء وجدوا الخبر كما أذاعته الرباط !
وتم حظر حزبهم “النهضة ” يوم 10 أكتوبر 1960 خاصة وأن حزب التجمع بقيادة المختار كان على وشك إعلان الإستقلال وكان المغرب وقتها أشد تشبثا بضم المنتبذ القصي ورفض استقلاله فكانت الفرصة مواتية للإنقضاض على النهضة أسبوعا قبل الذهاب إلى باريس يوم 18 أكتوبر لإكمال مفاوضات الإستقلال ووضع اللمسات الأخيرة على وثيقة نقل السلطات بين الوزير الأول الفرنسي ميشل دوبري والوزير الأول الموريتاني المختار ولد داداه .

قام ولد محمد صالح بوصفه والي تگانت بزيارة لسجناء النهضة فى تيشيت ” بوياكي ولد عابدين وأحمد باب ولد أحمد مسكه وهيبه ولد همدي والشيخ ماء العينين ولد محمد الأمين اشبيه وبمب ولد اليزيد ” بمبادرة شخصية منه كما يقول حيث كان يريد التحقق من صحة مايقال عنهم من معارضة الإستقلال والمطالبة بالإنضمام للمغرب وأخبرهم باستعداد المختار ولد داداه لبناء موريتانيا على أسس جديدة وأنه يسعى إلى القيام بنظام سياسي جديد يشمل جميع الأطراف، وأثناء حديثه معهم أقنعوه بأن رفضهم للإستقلال والمطالبة بالإنضمام للمغرب أمر غير صحيح وأبرزوا وثيقة لديهم تتضمن بيانا مؤشرا عليه من السلطات الفرنسية يبين مساندتهم للإستقلال وأن المخابرات الفرنسية هي من كان وراء فبركة شائعة أن النهضة ضد الإستقلال وتتبع للمغرب.

فقال لهم ولد محمد صالح إن الحكومة لديها تصور خاطئ عنهم وأمرهم بكتابة ما قالوا له ففعلوا فاستقل طائرة صغيرة تابعة لشركة ٍتنقيب عن النفط في تلك المنطقة وطار بها من تيشيت إلى تجكجه ومن تجكجه توجه إلى انواكشوط وسلم الورقة للمختار ولد داداه وبين له رأيه فيهم وأن من بينهم أطرا ممتازين فتم إطلاق سراحهم .

وفى 21 فبراير 1961تقدم حزب التجمع الموريتاني الحاكم بدعوة الاتحاد الوطني الوريتاني والنهضة إلى مؤتمر “الطاولة المستديرة” وقد قبل الحزبان المعنيان هذا الاقتراح وعقدت الطاولة المستديرة للأحزاب والاتجاهات اجتماعها الأول ما بين 20-22 مارس وكان يديرها أحمد باب ولد أحمد مسكه وكان محمد ولد الشيخ الأمين التنفيذي لها وأعلنت فى أعقاب اجتماعها ضرورة تحقيق الوحدة السياسية فى موريتانيا.

وقررت تلك الأحزاب توحيد عملها، وعينت مكتبا دائما للجنة يتألف من: دمبلى تييكورا من حزب التجمع الموريتاني، عبد العزيز باه عن الاتحاد الوطني الموريتاني، وأحمد باب ولد أحمد مسكه عن النهضة وانضم إليها فى أغسطس ممثلو الاتحاد الاشتراكي الإسلامي الموريتاني سالم ولد ببوط ، وسيدى ولد العباس، والحسين ولد حيْمّد.

وفى 29 سبتمبر1961 تشكلت أول حكومة فى عهد الاستقلال وهي حكومة ائتلاف احتفظ فيها المختار بحقيبتي الخارجية والدفاع. أما أعضاء الحكومة الآخرون فهم: ، أحمد ولد محمد صالح وزيرا للعمران ، ممادو صنبا بولى با المالية ، محمد المختار معروف ولد الشيخ عبد الله التخطيط ، الداه ولد سيدى هيبه الاقتصاد الريفي والتعاون ، ابّ ولد انّ التعليم والشباب ، الدكتور ببكرألفا با الصحة والشغل والشؤون الإجتماعية.

غداة الإستقلال كان المنتبذ القصي فى مهب الأطماع الخارجية والتى كادت أن تعصف بكيانه بين ثلاث دول تريد اقتسامه المغرب مالي السينغال.
كان السينغال يعتبر مقاطعات النهر جزءا لا يتجزأ من أراضيه و كان لأطماعه صدي لدى ساكنة تلك المناطق فموريتانيا المستقلة كان الرئيس سينغور يشكك فى بقائها.

و كانت منطقة الحوض تتبع لمالي مابين 1910 إلى 1944 إلى أن ضمها الوالي الفرنسي Laigret سنة 1945 إلى المنتبذ القصي ، وظل الرئيس المالي مودي بوكيتا يطالب بالحوض وكانت الخريطة المعلقة فى مكتب وزير الداخلية المالي تظهر منطقة الحوض كجزء من التراب المالي ، وأما المغرب فكانت موريتانيا جزءا لايتجزأ من حوزته الترابية كما يقول وكانت آذان الشمال وآدرار صاغية لتلك المطالب حيث تنشط النهضة ، باحتواء مطالب سكان الضفة ودمج حزب المنحدرين من غوركول بزعامة ممادو صنبا بولي وما يتمتع به من مكانة اجتماعية فى منطقة فوتا الموريتانية ومن شعبية فى گورگول أثرا كبيرا فى تبديد أطماع السنغال ، وركب المختار ولد داده صحبة وزيره أحمد ولد محمد صالح إلى باسكنو واستقبلهم زعيم أولاد داود ” أولاد علوش ” سيدي ولد هنون ولد حننه بعد مراسيم الإستقبال قال له ولد داداه جئتك بوصفي مسؤولا عن الحكومة فى انواكشوط وأخرج ولد داداه من سيارته مجموعة من الرشاشات وصناديق العتاد وقال: العرب لايهدى لهم المال ولكن يهدى لهم السلاح ، هذه هديتك والحوض أمانة فى يدك لاتدعه نهبا للأطماع المالية رجع ولد داداه وولد محمد صالح إلى انواكشوط وغسل ولد حننه يديه من مالي.

أدخل ولد داداه الحوض فى الأجندة الوطنية تم اندماج النهضة بقيادة بياگي ولد عابدين سليل تمبدغة فى الحكومة ودخل حمود ولد أحمدو فى الخكومة والتحق الشيخ محمد الامين ولد سيد امحمد بحزب التجمع ، ودخل عبد الرحمن ولد الشين “ديبه ” كفاعل سياسي نشط فى حزب التجمع وهو سليل أسرة أهل الشين زعماء “أولاد لكَعَسْ”- ظهْرْ الربْگْ – فى مجموعة ” أولاد بُحُمُّد ْ” الحسانية الفاعلة فى “أمرج ” بفصائلها ال 22 ، و بدعم قبائل الشوكة ” أولاد داود – مشظوف – أولاد مُحمّدْ ” درأ ولد داداه أخطار الأطماع المالية ، إلا أن المغرب ظل هاجسا أمنيا لقادة الدولة الوليدة خاصة بعد تصاعد لهجة الخطاب المغربي وإذاعته الموجه من الرباط وطنجة وفتح معسكرات للنهضة فى مالي.
ففي يوم 4 نوفمبر 1960 حدثت محاولة اغتيال في كيفه ضد ضابط فرنسي واتهمت النهضة بتدبيرها.

وفي يوم 8 من الشهر نفسه، وهو يوم انعقاد الجمعية الوطنية للتوقيع على اتفاق تحويل السلطات، تم اغتيال عبد الله ولد عُبيد عمدة ونائب أطارفى “لكصر” واتهمت مصالح الداخلية المغرب بقتله واعتقلت شخصا يدعى سيدنا ولد أعمر ادعت أنه القاتل وأنه أحد عناصر جيش التحرير وتحفظت على بعض الرعايا المغاربة فى المنتبذ القصي.

وفي 26 أغسطس 1961، تم اغتيال محمد الأمين ساغو رئيس فرقة الجمالة في منطقة “بوگادوم” قرب أمرج جنوب النعمة واتهمت النهضة وتم اعتقال مدير مدرسة نهضوي متهم بأنه القاتل.

واجه أحمد ولد محمد صالح وهو فى بداية تسلمه حقيبة وزارة الداخلية ملفات شديدة السخونة والتحدي لكنه حسب خصومه كان رجلا صلبا قويا لايعرف الإستكانة شديد التحدي للصعاب.
فى فبراير 1962 تم السطو على شركة ميفارما من طرف 13 شخص استولو على الأجهزة والآلات وصناديق قطع الغيار وبغض البنادق وأصابع الديناميت “أحزمة المين “.

وفى ليلة 29 مارس 1962 وقعت ” اعمارت النعمة ” تم الهجوم ليلا على نادي الضباط حيث كان فى النادي ضباط فرنسيون بصحبة محمد ولد مولود ولد داداده ابن عم الرئيس والي النعمة والملازم معاوية ولد سيد أحمد الطايع المسؤول فى الحامية العسكرية بالنعمة ، أطلقت قنبلة وأشفعت بوابل من النيران فتم قتل ثلاثة ضباط فرنسيين وجرح مايربو على العشرة.
قالت وزارة الداخلية :” إن النشاط التخريبي الموجه من قبل المغرب انطلاقا من الأراضى المالية وبتواطئ نشط منها قد تكثف واليوم يتمثل فى الاعتداء على نادى الضباط بالنعمة فى 29 مارس والذى ينحصر هدف المخططين له والمدبرين فى القضاء النهائي على الدولة الموريتانية الفتية “.

نجا معاوية ووالي النعمة محمد ولد مولود ولد داداه واللذين أربك وجودهما المهاجمين وقبض على المنفذين:
الشريف إسماعيل الملقب ” امّا اعلي ” تاجر ورئيس مكتب حزب النهضة فى ولاته وكان صلة الوصل بين أحمد ولد حرمة فى مالي و نشطاء النهضة فى المنتبذ القصي.

والعسكري “ولد اسويدات” المعروف ب ” اسويدات ” الذي كان مرافقا للوالي وحارسا له وتبين فى التحقيق أنه هو مهندس عملية أطار التى راح ضحيتها عسكريون وإداريون فرنسيون وذلك قبل نقل ولد اسويدات من أطار إلى النعمة.

والعسكري الشيخ ولد الفاظل شقيق لاله بنت الفاظل زوجة محمد خونه ولد هيداله واحيلوا ثلاثتهم إلى محكمة عسكرية بقيادة محمد ولد الشيخ ولد أحمد محمود الأمين العام لوزارة الدفاع ، وبعضوية الملازم معاوية ولد الطايع الذى كان صديقا لمحمد ولد الشيخ ودخل الجيش بإيعاز منه حيث كان معلما ابتدائيا وأعطى ولد الشيخ التعليمات للمقدم ” افرانسوا بيسلاي – francois beslay ” باكتتابه وبعد بعثة إلى فرنسا حيث التحق بالكلية الحربية، سلاح المدرعات عام 1958- 1961 عين الملازم ثان معاوية مسؤولا فى الحامية التى يقودها فرنسيون فى النعمة وحكمت المحكمة باعدام الثلاثة.

وبعد اعدامهم قام النهضوي فاضل ولد عبداوه بقتل فرنسي فى انواكشوط .
فى مايو 1962 قتل دياهي ولد شاش من قبيلة أولاد بسباع رجلين من قبيلة تندغ “أهل متالي” هما ولد باباه وولد حبيب رميا بالرصاص أثناء شجار قبلي على أولوية الارتواء عند بئر ” آكريديل ” شمال انواكشوط قرب ” إطويله ” وهرعت قوات الدرك المرابطة عند ” اطويله ” وطوقت المكان واعتقلت الجاني الذى أصرت الحكومة على إعدامه رغم ما أبداه أولاد بسباع من ممانعة ورفض وهدد بعضهم بالهجرة وأغلق البعض متاجرهم يوم الإعدام الذى نزلت فيه قوات الحرس بقيادة الملازم اسويدات ولد وداد بكثافة إلى شوارع انواكشوط تحسبا لأي أعمال عنف أو عصيان مدني ، وقال المختار ولد داداه : الجريمة المرتكبة عند البئر إذا لم تقمع بصرامة فإنه يخشى عليها أن تدشن عودة حالة الفوضى والسيبة القديمة التى كان القوي يسحق فيها الضعيف بلا هوادة ، ورجوع الحروب القبلية التى عاثت فسادًا فى البلاد قبل الاحتلال الفرنسي “.

بعدها رأى الأمير احبيب ولد أحمد سالم أن يجبر خاطر أولاد بسباع فعقد ندوية لترضيتهم عند ” آوليگ ” لم يشهد المنتبذ القصي مثيلا لها لم تغب عنها قبيلة ولم يتخلف عنها فنان ولا أديب قال فيها الطيب ولد ديديه ولد البصيري گافه الشهيرلأهل اشويخ والذي أغاظ بقية إيكگاون :
منْ يومْ امْجِيكمْ لاَوْلِيگْ :: الهولْ إلِّ متْبايِنْ
بيهْ ابكََيتُ وابْگاوْ لِيگْ :: گاونْ منُّو لِمْحَايِنْ

فى 14 يونيو 1962 جاء إلى نواكشوط شابان موريتانيان أحدهما من أهل النعمة يدعى شياخ ولد محمد جد أم والآخر من المجرية يدعى الحيولي ، كانا قد تدربا على السلاح فى الأراضى المالية فى معسكر أحمد ولد حرمه وجاءا إلى نواكشوط بهدف اغتيال الرئيس المختار وويز داخليته أحمد ولد محمد صالح ومحمد ولد الشيخ الأمين العام لوزارة الدفاع وقالا إنهما تخليا تلقائيا عن مشروعهما و قدما نفسيهما لمحمد ولد الشيخ حاملين أسلحتهما ” مسدسات أو رشاشات ” المخفية تحت ملابسهما، وشرحا له أهداف مهمتهما ” وكانت تلك هي آخر عمليات النهضة.

يوم 26 مارس 1963 عاد إلى موريتانيا الأمير محمد فال ولد عمير ولم يلبسه ولد داده على الطهارة وما كاد الأمير ورفاقه يهبطون من الطائرة فى نواكشوط حتى توجهت بهم طائرة خاصة إلى تيشيت حيث وضعوا رهن الإقامة الجبرية ثم أطلق سراحهم ثم فبركت لهم الداخلية – كما يقال – مايعرف بمؤامرة مغربية بواسطة شخص يدعى ” المداني السباعي ” واعتقل ولد عمير فى ظروف قاسية ساءت معها صحته مما جعل الوزير الشيباني ولد الهيبة يسأل وزير الداخلية ولد محمد صالح هل تريد قتل الأمير ؟ فيجيب ولد محمد صالح : إنها ظروف إقامة جبرية عادية .

من 19ـ 21 يوليو 1964 شارك الرئيس المختارولد داداه في القمة الثانية لمنظمة الوحدة الإفريقية بالقاهرة وضم وفده:
– أبه ابن أنه رئيس الجمعية الوطنية- أحمد بن محمد صالح وزير الداخلية – بحام بن محمد لغظف وزير التهذيب الوطني – الحضرمي بن خطري وزير العدل – أحمد بابا بن أحمد مسكه سفير في أبيدجان ، وظل ولد محمد صالح يتردد كمبعوث دائم من المختار إلى دول الشرق الأوسط .

سنة 1964 انعقد بكيهيدي المؤتمر الطارئ لحزب الشعب الموريتاني بين 28 و31 يناير وطرح فيه أحمد ولد محمد صالح أفكاره والمتمثلة فى إحكام سلطة الحزب على منتخبيه وتجسيدها على جميع المستويات، واعتماد طريقة اللائحة الوطنية فى انتخاب النواب، وإقرار الاستقالة البيضاء التى يوقعها النائب فإذا أراد الرئيس ابعاده أرخ الورقة وقبل استقالة النائب ، وقد انتخب المؤتمر مكتبا سياسيا وطنيا وتشكل هذا المكتب السياسي على النحو التالي: المختار ولد داداه،أحمد ولد محمد صالح ، محمد ولد الشيخ، ابّ ولد انّ ، ممادو وان بيران ، محمد سالم ولد امخيطرات، سيدى محمد دياكَانا، ممدو سى الملقب سي سك، ساموري ولد بيه، احبيب ولد أحمد سالم، هيبه ولد همدي، سيدى محمد ولد عبد الرحمن و يحيى ولد منكوس .

وعقد المكتب السياسي الوطني الجديد اجتماعا فى 8 من فبراير 1964 عين خلاله ثلاث لجان تتكفل كل منها بقطاع محدد. وهذه اللجان هي : اللجنة الإدارية برئاسة أحمد ولد محمد صالح يساعده يحيى ولد منكوس و اللجنة السياسية برئاسة محمد ولد الشيخ ومساعدة وان بيران.

وقد اتخذ المكتب السياسي الوطني يوم 16 نوفمبر قرارا مستوحى من روح مؤتمر كيهيدي، ولكن أهميته ونتائجه تجاوزت كل قرارات ذلك المؤتمر، ألا وهو جعل حزب الشعب الموريتاني الحزب الوحيد فى البلاد وبناء على هذا وافق النواب الحاضرون بالإجماع يوم 12 يناير 1965 على تغيير المادة 9 من الدستور لتقر أن حزب الشعب الموريتاني هو حزب الدولة الوحيد ويقول المختار فى مذكراته إنه عبر لولد محمد صالح أنه ينبغى أن يفسح المجال للتعددية الحزبية عندما يصل تدعيم الوحدة الوطنية إلى مستوى يسمح بذلك.

وبخصوص الاستقالة على وقة بيضاء رفض رئيسان للبرلمان التوقيع على استقالتهما المسبقة وهما سيدى المختارولد يحيى انجاي وسليمان ولد الشيخ سيديا ولذا قرر المكتب السياسي الوطني فى شهر مارس طردهما مؤقتا من الحزب.
وقد ردا على هذا الإجراء بإنشاء حزب معارض يدعى الجبهة الوطنية الديمقراطية مع بياكي ولد عابدين.

وعندئذ أصدر أحمد ولد محمد صالح وزير الداخلية قرارا يقضى “بعدم شرعية هذا الحزب وبحله ” بناء على ” أن العبارات التى استخدمها الأعضاء المؤسسون فى ديباجة النظام الأساسي تكتسى لونا من القدح والسباب يضر بهيبة الدولة ويهدد الوحدة الوطنية ومجهود الحكومة فى البناء الوطني، وهو ما ينافى روح الدستور…”.

وفى اليوم نفسه أسس المعنيون حزبا آخر هو الحزب الديموقراطي الموريتاني، ولكن الوزير ولد محمد صالح رفض منحه رخصة على اعتبار أنه مجرد إعادة بناء حزب منحل.

وقدم هؤلاء فى الشهر الموالي طعنا لدى المحكمة العليا ضد قرار ولد محمد صالح القاضى بعدم شرعية الجبهة الوطنية الديمقراطية مطالبين بوقف تنفيذه.
وفى الثلاثين من نوفمبر “رفضت المحكمة طلب النظر فى وقف تنفيذ المقرر الصادر بتاريخ 3 أغسطس 1964 القاضى بحظر الجبهة الوطنية الديمقراطية دون النيل من مبدأ الطعن”. وفى النهاية كسب ولد محمد صالح دستورية الحزب الواحد بعد هذا “السجال الإجرائي”.

أصدر بياگي المناوئ لفرنسا وصاحب التوجه القومي صحف ” الحقائق ” و” التقدم ” و ” صوت الشعب” التى كان ينتقد فيها النظام بحدة وحزب الشعب الذى أصبح المختار يوظفه كما يقول لمركزة السلطة ، فكان ولد محمد صالح لها بالمرصاد فحجبت وصودرت وأخيرا تم السطو على الآلات المستخدمة فى طباعتها واتهمت مصالح الداخلية بالوقوف خلف الحادثة .
وظلت فى نفس بياگي ولد عابدين موجدة على ولد محمد صالح رغم أن حبل الود بينما لم ينصرم فقد كان ولد محمد صالح يرى أن نشأة بياگي فى مالي كان لها دور فى حدة مزاجه وحدية رآه رغم وطنييته الشديدة وحين اشتد المرض على بياگي زاره ولد محمد صالح فى المستشفى 1970 وسأله عن حاله فقال له بياگي : “إنني فيما تتمنى لي أن أكون فيه فأنا بين الحياة والموت ! ”

وفي 9 فبراير 1966 جرت أحداث مايعرف ب ” ديگتْ لكور والبظان ” فقد كان القوميون العرب يطرحون فكرة التعريب كخيارلابديل عنه في كافة مجالات الثقافة والإدارة، وقد استطاع هؤلاء أن يفرضوإرادتهم عند ما أصدر حزب الشعب الموريتاني في مؤتمره المنعقد عام 1966 قراره الذي يكرس إلزامية اللغة العربية في التعليم النظامي وذلك في إطار خطة تستهدف إصلاح النظام التربوي بوجه عام وقد نجم عن هذا التطور بروز أزمة داخلية عمل على تفجيرها مجموعات من ذوي المشارب الثقافية الفرنسية الذين رأوفي القرار نوعا من محاولة ممارسة الهيمنة الثقافية ، وفي 4 يناير بدأ جميع التلاميذ الزنوج في انواكشوط، ورصوا ، إضرابا ضد إلزام تعليم اللغة العربية في التعليم الثانوي والإعدادي ، وقد وجه وزيرالتهذيب بكار بن سيدهيب نداء عبرلإذاعة طلب فيه التلاميذ العودة إلى فصولهم مهددا إياهم بالطرد إذا لم يعودوا للدراسة.

وفي 6 من نفس الشهر وزع منشور مطول تحت عنوان بيان “التسعة عشر” أعلن فيه 19موظفا ساميا كلهم من منطقة النهر أنهم يساندون إضراب التلاميذ الزنوج من أجل سد الطريق أمام التعريب القسري ومن أجل فرض تعديل قوانين 30 ينايرلأن الإزدواجية ليست سوى خدعة لإقصاء المواطنين السود من شؤون الدولة.

وفي اليوم نفسه إمتد اضراب التلاميذ السود إلى كيهدي فاجتمعت الكتلة البرلمانية للحزب لتدارس الوضع.
وفي 8 من ذلك الشهر أصدر”31 “موظفا زنجيا بيانا في انواكشوط يساند بيان 19 وإضراب التلاميذ ويدعوا المسؤوليين من كل المستويات إلى إيجاد حل فوري لهذه المشكلة.

وفي 13 يناير صادق مجلس الوزراء على مرسوم يحدد إجرءات تطبيق قانون 30 يناير 1965 كما أقرهذا المرسوم تعليق ال ” 19 ” والشروع في متابعتهم قضائيا وقد أغلقت المدارس الثانوية يوم 19 ينايرواستئنفت الدراسة في المؤسسات الثانوية في انواكشوط يوم 4 فبراير في جو يسوده الهدوء.
ولكن ما إن حل مساء 8 من ذلك الشهر حتى اندلعت مشاجرات بالثانوية الوطنية بين بعض التلاميذ من العنصرين، وقد خلفت جروحا خفيفة وقد تدخلت سلطات الأمن، فكان لوحدة “para” بقيادة، الملازم اسويدات ولد وداد دورا بارزا في إخماد نار الفتنة التى سادت من جراء هذه الأحداث وقد تدخلت فرقة الحرس هذه وكانت على أهبة الإستعداد ففصلت بين المتشاجرين واحتلت الثانوية وعزلتها عن المدينة.

وقد وزع في تلك الليلة منشور يدعوا التلاميذ” البيظان” إلى الإضراب، وفي صبيحة 9 من فبراير حدثت صدامات عنيفة في عدة أماكن من العاصمة كانت حصيلتها 6 قتلى و70 جريحا، وقعت الأحداث في غياب الرئيس ولد داداه الذي كان فى زيارة لمالي وعاد للمنتبذ القصي وعند وصوله بادر بتأكيد لإجراءات التي اتخذها نائبه أحمد ولد محمد صالح الذى يتولى إدارة الشؤون الجارية فى غياب الرئيس تلك الإجراءات المتمثلة في تطويق المدينة بعناصرمن الجيش وقوات الأمن وتسيير دوريات دائمة لحفظ النظام .

وفى صبيحة يوم 10 فبراير وقع الرئيس 1966 ثلاثة مراسيم متعلقة بالأمن، أولها يعين النقيب المصطفي ولد محمد السالك قائدا لأركان القوات المسلحة وكالة ومسؤولا عن حفظ الأمن في انواكشوط حتى إشعار جديد يساعده في تلك المهمة الملازمان الأولان اتيام الحاج واسويدات ولد وداد.

أما المرسوم الثاني فيحدد الإجراءات الكفيلة بحفظ الأمن في انواكشوط .
في حين يتعلق الثالث بإجرءات حفظ الأمن في كيهدي.
وقد سيطرت قوات الأمن تماما على الوضع في العاصمة نواكشوط، رغم استمرار بعض الأعمال الثأرية الفردية وعرفت بقية مناطق البلاد هدوءا تاما.

وقام ولد داداه بإقالة خمسة وزراء غبّ الأحداث وهم: أحمد ولد محمد صالح ومحمد ولد الشيخ وكان آلمان و يحيى ولد منكوس وبمب ولد اليزيد .
تضاربت الآراء حول الأحداث ووصفها البعض أنها كانت غطاء لانقلاب عسكري يقوده ابن عم الرئيس محمد ولد الشيخ وزير الشؤون الخارجية والدفاع الوزير الرجل التقدمي المثقف والمحسوب على التيار الإفريقى وكان رجلا قويا آنذاك وحين تمت إقالته انسحب من الحياة السياسية نهائيا واعتزل فى مسقط رأسه.
وتم عزل الوزراء المحسوبين عليه ” كان آلمان و يحيى ولد منكوس وبمب ولد اليزيد.

وفى 21 من فبراير كذلك، اجتمع المكتب السياسي الوطني وقام بتأريخ استقالة ممادو صنبابولي الموقعة على بياض بحيث لم يعد نائبا في البرلمان وعزل عن رئاسة الجمعية الوطنية.

وكان نواب الجمعية الوطنية يوقعون استقالاتهم وحين يغضب الرئيس المختار على أحدهم يقوم بتأريخ استقالته فيجد نفسه خارج الجمعية ، وفي ذلك يقول الإداري الأديب أحمد ولد ابّا ولد امين مداعبا النواب:
يَدبّيتاتْ أخيرْ الْكمْ :: ذ الرئيس إدّيرولُ لَيْدْ
هُوّ “إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيد”

وبالمقابل تمت إقالة الوزير المحافظ الموصوف بالرجعية والمحسوب على البظان أحمد ولد محمد صالح وزير الداخلية والإعلام وعين مفتشا للشؤون الإدارية.
شارك ولد محمد صالح في مؤتمر حزب الشعب وحشد أنصاره وأعيد انتخابه عضوا في المكتب السياسي الوطني وتدرج من جديد متجاوزا أزمة 66 لينتخب الأمين الدائم للمكتب السياسي الوطني لحزب الشعب وكان هو ومحمد ولد الشيخ طرفي نقيض وفرسي رهان منذ نشأة الدولة يقول الرئيس المختار فى مذكراته:
“وإذا كان محمد ولد الشيخ تقدميا جدا -إن لم نقل ثوريا- يحمل أفكارا سابقة على زمانه يصعب فهمها في سياقنا آنذاك وتستعصي على بنياتنا الذهنية القروسطية ، فإن أحمد ولد محمد صالح على خلاف ذلك؛ فقد كان محافظا ولكنه لم يكن رجعيا كما كان يوصف على الدوام. إنه حذر يؤمن بحتمية وضرورة تطور مجتمعنا؛ ولكنه يفضل أن يتم ذلك التطور وتلك التحولات المترتبة عنه بطريقة بطيئة وأكيدة..
ولم يكن “عدو السود الذي يريد أن تكون موريتانيا خالصة للبيضان فقط..” كما كان يصفه منافسوه السياسيون؛ إذ لو كان كذلك لما اتخذته يوما وزيرا ثم أمينا دائما للحزب. وبكلمة واحدة لم أكن لأجعله أحد أقرب أعواني على مدى سبع عشرة سنة”.

28 مايو 1968 حاصر آلاف العمال إلى جانب سكان المدينة من نساء وتجار وعاطلين عن العمل ” ما بين 5000 إلى 6000 آلاف متظاهر ” فى ازويرات الحي الذى بسكنه كبار أطر شركة ” ميفارما ” من الفرنسيين والسينغاليين وكان العمال أضربو قبل ذلك احتجاجا على أوضاعهم المزرية نتيجة تدني الرواتب والتعرض للخطر وغياب التأمين الصحي فلم يستجب الإداري ريشاردسون لمطالبهم فحاصروا الحي جاءت الأوامر من انواكشوط للحاكم أحمد ولد ابّا بضرورة فك الحصار بصورة فورية فأصدر الحاكم أوامره لقائد الدرك فى انواكشوط المتواجد فى ازويرات النقيب فياه ولد المعيوف باتخاذ ماهو ضروري لفض الحصار وإعادة النظام فلجأ فياه إلى استخدم الرصاص الحي لتفريق جموع المتظاهرين فسقط ثمانية قتلى وأربعة وعشرون جريحا جراح بعضهم بالغة الخطورة .
قال أمد باب ولد أحمد مسكه عن شهداء “لبطاحْ” ازويرات:
قِفْ بِالبِطَاحِ زَمِيلي :: زُرْ مَسْقَطَ الشهداءِ
قف بالبطاح زميلي :: تَسْمَعْ عَويلَ النساءِ
هذي البطاحُ زَميلي :: سالتْ بأَزْكى الدِّماءِ

قال الرفيق سيدي محمد ولد سميدع فى مهرجان فى انواكشوط : ” أيها الرفاق! يتظاهر الفلسطينيون في غزة من دون أن يطلق عليهم الصهاينة النار، غير أنه حين يتظاهر عمالنا لمطالبة شركة أجنبية بزيادة رواتبهم فإن الحكومة الموريتانية تجعلهم يسبحون في دمائهم!
أيها الرفاق.. لقد ولى عهد الخصومات الجانبية وبدأ عهد الوحدة والكفاح “.

قال أحمد ولد محمد صالح فى مهرجانٍ مواز فى انواكشوط حضره الرئيس ولد داداه : ” إن ماحدث فى ازويرات كان تصرفا لابد منه فالمتظاهرون تمادوا فى تجاهل أوامر السلطة ومحاصرة الأوربيين الذين يعملون فى بلادنا وتحت حمايتنا ، بل إنهم تجاوزوا ذلك إلى حد محاولتهم انتزاع السلاح من أيدي الجنود ، إنها فوضى وعصيان ولابد من أن تمارس السلطة إزاءه العمل المناسب”.

10سبتمبر1969 وجه ملك المغرب دعوة لولد داداه لحضور قمة المؤتمر الإسلامي المنعقد بالرباط مما اعتبر بادرة حسن نية من المغرب لتطبيع العلاقات وفى 22 سبتمبر 1969 هبطت طائرة ولد داداه بمطار الرباط ، وبعد انتهاء المؤتمر أقام الملك الحسن الثاني حفل عشاء ودي على شرفه هو والوفد المرافق: أحمد ولد محمد صالح الأمين الدائم للمكتب السياسي الوطني، وحمدي ولد مكناس، وزير الخارجية، وبارو عبد الله، وزير الوظيفة العمومية والشغل .
وتم تحديد مسار يفضي إلى إقامة علاقات ديبلوماسية: إرسال وفد موريتاني رفيع المستوى إلى المغرب فى أكتوبر، تليه زيارة وفد مغربي من المستوى نفسه إلى المنتبذ القصي قبل نهاية العام.
ويتم فى النهاية تبادل السفراء فى بداية 1970.
فى 31 أكتوبر توجهت بعثة مساع حميدة إلى المغرب برآسة أحمد ولد محمد صالح وعضوية حمدى ولد مكناس وعبد الله بارو. وفى 13 يناير 1970 وصلت إلى نواكشوط بعثة مغربية برئاسة الجنرال أوفقير وزير الداخلية ، وتم تبادل السفراء قاسم الزهيري فى انواكشوط 27 فبراير، و أحمد ولد جدُّو 20 يوليوفى الرباط.

28 سبتمبر 1970 توفي الرئيس جمال عبد الناصر ومن غريب الصدف أن ولد محمد صالح كان وقتها يقيم مأدبة عشاء فى منزله تكريما لسفير مصر محمد محمود التهامي وحين طلب منه الصحفي محمد محمود ولد ودادي التعليمات بخصوص الحدث بوصفه الأمين العام لحزب الشعب والمسؤول عن الإعلام بدرجة وزير طلب منه الانتظارحتى انتهاء المأدبة ويقول ولد محمد صالح إنه حين أعلم الرئيس المختار بنبإ وفاة عبد الناصر أصيب بصدمة شديدة.

كان أكبر صراع خاضه وزير السيادة الداخلية ولد محمد صالح هو صراعه مع حركة الكادحين اليسارية.
هم كانو يريدون تغيير العالم ومحاربة الإمبريالية والرجعية ويرون أن ولد محمد صالح هوأكبر رجعي فى المنتبذ القصي.
وهو لايرى فيهم غير جماعة فوضوية لا تملك مشروعا ولاتحسن إلا المشاغبة ووشم الجدران بالأحمر.
هم اعتمدوا المظاهرات والاعتصامات والإضرابات والمناشير والكتابة والخطاب الجماهيري البسيط واستخدام وسائط التأثير ” أزوان والشعر ولغن “.
وهواعتمد مقاربة أمنية اعتمدت القمع والسجن والنفي والتحويل والاختراق من خلال العملاء وكانت أسماء رجالاته تثير الرعب “النقيب مَميْ ، عبد اللاي سي ” لحرور ” ، أحمد ولد امشين ، أواه ولد لوليد ..
يتحدث الكادحون عن صنوف العذاب التعليق وخلع الأظافر واستعمال لحرور والكهرباء ..
ويتحدث فريقه هو عن امرأة انتحرت وامرأة بالت على المصحف وشباب لايؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ويغمس العمدة محمد ولد خيار إصبعه فى التراب قائلا نعوذ بالله فيصيح ول حيماس ” نَصْرُونْ ”

كان للداخلية مخبرون من كل الأصناف والأعمار والفئات وهم مناضلون فى حزب الشعب ، ” رجالتو واعلياتو واكهولتو وابشبابو ”
منهم الفقيه والدرويش والمجذوب والوجيه والفتى لمغني ومن الطريف أن أحدهم كان قليل الكلام كثير الإنصات يحضر المجالس يتسقط الأخبار وذات مجلس أزوان داعبه أحدهم وقد لاحظ صمته وانصاته لمايدور من حديث قائلا:
كل امنادم مزالْ جايْ :: گال أگلال أمّالُ
يكون الشيخ أَمَّالْ مَايْ :: گُولْ الشيخ أگلالُ
تفاجأ الشيخ بالكاف لكن مثله يمتص المفاجآت ويكون حاضر البديهة فأجاب على الفور:
كيفتْ گومُ وابلا اجميلْ :: أگلالُ لَ گالُ
واسكاتْ الشيخ ألاّ ادليلْ :: إعْلَ زين أگلالُ

ورغم أن اليسار الموريتاني تأثر بالزعيم الصيني “ماو” ورغم أن السفارة الصينية أمدت الكادحين بالكتب والمنشورات وخاصة الكتاب الأحمر لماو تسي تونج الذى وزع بالهبل ويتحدث البعض عن دعمها لهم ماديا إلا أن العلاقات الرسمية الصينية لم تتأثر بل كانت جيدة وظل التعاون ينمو باطراد وساعدت الصين فى بناء الكثير من البنى التحتية فى المنتبذ القصي.
وحين حذر الملك فيصل الرئيس المختار من الخطر الصيني ، وندد البعض بما تلعبه سفارة الصين من نشر للكفروالشيوعية وافساد للشباب قال وزيرالسيادة الداخلية ولد محمد صالح فى مؤتمر صحفي فى 1 ابريل 1971 إن سفارة الصين لم تقم بأي نشاط من هذا النوع وأن جمهورية الصين الشعبية ليس من توجهاتها التدخل فى السياسات الداخلية للدول وأن الكتب والمنشورات الشيوعية يقف وراء إدخالها للبلاد بعض الدوائر المساندة للإستعمار الفرنسي من أجل التشويش على العلاقات الصينية الموريتانية المتميزة “.
ويقول ولد محمد صالح إن السفير الصيني فى انواكشوط زاره فى مكتبه وشكره على ماورد فى كلامه من حقائق وأنه هو بالضبط الموقف الصيني الرسمي وقد نقلته وكالة الأنباء الصينية الرسمية كنوع من الرضى فكان مهندس الإحتواء المزدوج .
وهنا يكمن ذكاء ولد محمد صالح حيث حافظ على علاقات جيدة مع الصين وصافحها بيد من حرير وضرب الكادحين بيد من حديد فى آنٍ معا.
يرى ولد محمد صالح إن الضربات الموجعة لقيادات وعناصر الكادحين قد كسرت شوكة الرفاق الحمر وألحقت الهزيمة بهم خاصة بعد نجاحه فى اختراقهم أمنيا.
تلك الاختراقات الأمنية الكبيرة لصفوفهم والتى كانت مصدر إعجابه.
ومع القمع والتنكيل واصلاحات المختار السياسية بدأ البساط يسحب من تحت أقدام الكادحين.
وفي بداية السنة 1974 فتح حوار سياسي بين الكادحين وحكومة المختار ولد داداه كانت تديره عقيلته مريم داداه ، وقد سبق الحوار لقاء للمختار فى فرنسا ببعض قيادات الكادحين وسبقت الحوار كذلك سياسات وصفت بالإصلاحية أبرزها:
دخول موريتانيا إلى جامعة الدول العربية.
إدخال اللغة العربية في منظومة التعليم بشكل جدي.
مراجعة الاتفاقيات المبرمة مع فرنسا.
إنشاء عملة وطنية.
تأميم شركة ميفارما سنة 1974.
فبدت الأجواء إيجابية لفتح الحوار مع الكادحين وبقية القوى السياسية كالبعثيين والناصريين .
وقد مثل النظام فى الحوار رجله القوي الوزير أحمد ولد محمد صالح مصحوبا بصال عبد العزيز والشيخ عبد الله ولد بيّه ، استمر الحوار قرابة شهرين وأسفر عن قيام مؤتمر شبابي صيف 1977 يحضره طلاب منتخبون من طرف زملائهم في مؤسسات التعليم داخل البلاد وخارجها بالإضافة إلى حضور الشباب المنضوي تحت لواء كافة التوجهات السياسية داخل القطر، وفي هذا الصدد تم إرسال بعثات إلى الخارج للتنسيق مع الطلبة الموريتانيين الدارسين هناك بغية تمكينهم من المشاركة ولكي يتسنى لهم طرح مطالبهم الكثيرة.
وفي هذا الإطار تم إرسال محمد يحظيه ولد الطلبه من البعثيين، ومحمد المختار ولد السعد من الكادحين إلى المغرب ليقضيا هناك عشرة أيام إشرافا على اختيار المناديب وذلك في فاس والدار البيضاء والرباط.
وقد تم عقد المؤتمر في أغسطس 1977 وأسفر المؤتمر عن انتخاب مجلس أعلى للشباب بقيادة التجاني ولد كريم الذي سيمثل الشباب في المكتب السياسي لحزب الشعب وانتخب نائبا له محمد الأمين ولد ملاي الزين والرشيد ولد صالح.

ما إن انتهت موريتانيا من احتفالاتها بالذكرى الخامسة عشرلاستقلالها الوطني، حتى وجدت نفسها في أوحال حرب لم تكن مهيأة لها ولاطاقة لها على تحمل نتائجها.
وقد تضافرت مجموعة عوامل لتقحم البلاد في هذه الحرب منها الاقتصادي والسياسي والأمني والأجتماعي .
فمنذ الإعلان عن تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب “البوليزايو- Polisario ” عرفت الأوضاع الأمنية في المنطقة تطورا خطيرا أحرج حكومة المنتبذ القصي التي كان عليها ان تدعم الجبهة وتعمل في ذات الوقت على تنسيق موقفها مع المغرب والجزائر وتتحاشى إثارة الجانب الاسباني أيضا غير أن التوفيق بين هذه الأطراف كان متعذرا في ضوء تضارب الأهداف والغايات.
وقد تلقى الرئيس ولد داداه رسالة من قادة ارقيبات طالبوا فيها الحكومة الموريتانية بالسماح لهم بمزاولة نشاطهم التحريري في وطنهم الثاني موريتانيا، وإقامة دورات تدريبية لمقاتليهم في المدارس الموريتانية ودعمهم ببعض الأسلحة والمعدات الحربية وتوفير التسهيلات الضرورية لتحركهم.
غض ساسة المنتبذ القصي الطرف عن الكثير من نشاط البوليزاريو الذي كان يتم فوق أراضيه غير أن الحكومة الاسبانية التي تأذت من الهجمات الصحراوية لم تغض الطرف عن الدعم الموريتاني لجبهة البوليزايو فقد سلم المقيم الاسباني في الصحراء الغربية ” غوميز دسالازار GOMEZ DE SALAZAR- ” مذكرة احتجاح الى حاكم بير أم اگرين في شمال المنتبذ القصي مولاي ولد بوخريص في 30 يونيو 1973 وقد تضمنت هذه المذكرة طلب إسبانيا بعدم السماح للصحراويين بمهاجمة المراكز الاسبانية انطلاقا من الأراضي الموريتانية، ثم قامت اسبانيا بعد ذلك بعدة أيام بإرسال خمس طائرات هيلوكبتير حلقت فوق المدن الشمالية بالمنتبذ وألقت منشورات تتضمن تهديدا بغزو المناطق التي توجد فيها قواعد الجبهة أوالتي يعود إليها المقاتلون الصحراويون بعد مهاجمة الأهداف الاسبانية.
أخطر ولد بواخريص وزير السيادة الداخلية ولد محمد صالح بفحوى المذكرة والذى أخذ التهديدات الإسبانية على محمل الجد وباشرت السلطات في تضييق الخناق على مقاتلي البوليزايو ومراقبة تحركهم قبل أن تعمد إلى إلقاء القبض على بعض عناصرهم الذين يثبت اشتراكهم في تنفيذ العمليات ضد الاسبان وتسليمهم إلى الأسبان.

وقد استنكرت الجبهة هذا التحول السياسي الموريتاني وبعثت برسالة إلى وزير السيادة الداخلية تستنكر فيها اعتقال 10 من الثوار البوليزايو مع 12بندقية وجمالهم وذخيرتهم، ثم اشفعتها برسالة أخرى تتضمن نفس الاحتجاجات في 10 اكتوبر 1973 ويبدو أن مساعي الصحراويين باءت بالفشل نتيجة الضغوطات الاسبانية على المنتبذ.

بعد لقاء نواذيبو بين الرئيس المختار والملك الحسن الثانب والرئيس هواري بومدين وبعد لقاء بشار بالجزائر وما تعرض له الرئيس المختار فيه من إهانة من طرف بومدين حسب ولد محمد صالح توصل ولد داده إلى قناعة تامة بأن التنسيق مع المغرب في حل المشكلة الصحراوية يبقى أكثر وجاهة من غيره.

وقد شكلت معاهدة مدريد التي كانت تتويجا لذلك التنسيق والمباحثات السرية التي أعقبته سببا مباشر للحرب، ووقعها في العاصمة الاسبانية كل من الوزير الأول المغربي أحمد عصمان ووزيرخارجية موريتانيا حمدي ولد مكناس وممثل عن الحكومة الاسبانية في 14 من نفمبر سنة 1975.

وأصبحت المعاهدة سارية المفعول بعد تصديقها من طرف ولي عهد اسبانيا “خوان كارلوس – k.karlos ” في 21 من الشهر نفسه وقد نصت هذه المعاهدة على:
– انسحاب اسبانيا من كامل الاقليم في أجل أقصاه يوم 28 سنة 19762.
– تعيين حاكم موريتاني في منطقة وادي الذهب وآخر مغربي في الساقية الحمراء.

في التاسع من دجمبر 1975 هاجمت البوليزاريو بير أم اگرين وإنال، وتعرضت لخسائر فادحة خصوصا في “إنال” بالرغم من أنها كانت المبادرة بالهجوم.
في هذه الأثناء كان وزير الدولة للسيادة الداخلية، احمد ولد محمد صالح ، فى نواذيبو صحبة المقدم كادير قائد سلاح الجو وقد بدأت درجة الحرارة والاضطراب ترتفع، وتقدم قائد القطاع الرائد أحمدو ولد عبد الله إلي الوزير بطلب السماح له ببدء الهجوم، واتصل الوزير بنواكشوط وأعطاه إذنا شفهيا بالموافقة، لكن الرائد أحمدو أفهم الوزيربصفة مهذبة بأنه يريد أمرا مكتوبا، ووعده ولد محمدصالح بأنه سيوافيه بأمر مكتوب عندما يعود الي نواكشوط.

وفى 10دجمبر سنة 1975 أصدرت القيادة أوامرها لقواتها لاحتلال مدن ومراكز وادي الذهب، لتبدأ بذلك حرب الصحراء الغربية التي استمرت 3 سنوات متتالية.

في 11 دجمبر سنة 1975 دارت أولى المعارك للسيطرة على مدينة لگويره وبعدها تشلة الواقعة في جنوب الإقليم،وبعدها فرض حصار عسكري على مدينة العرگوب الواقعة بمحاذاة المحيط الأطلسي إلى الجنوب من الداخلة والتي سقطت في 11 يناير 1976، ثم دارت المعارك العنيفة في عين بنتيلي شمال شرق الصحراء والتى سقط فيها الرائد اسويدات ولد وداد.

وكانت أكثر المعارك ضراوة في الصحراء تلك التي جرت حول مدينة أوسرد الواقعة في وسط تيرس الغربية والتي توجد بها أكبرقواعد جبهة البوليزايو في المنطقة وهي محاطة بحصون منيعة أقامها الاسبان وفي 6 فبراير1976 أعلن الصحفي السيخ ولد اخليل رحمه الله بصوته الحهوري عبر الأثير: أن علمنا يرف الآن خفاقا فوق مدينة أوسرد ، وكانت الخسائرالمادية والبشرية جسيمة.

في 5 من يونيو 1976 انطلقت قوة من ” تيندوف ” يقودها الولي مصطفي السيد، مستهدفة مدينة ازويرات ثم توغلت إلى الجنوب حيث خاضت معركة قاسية مع قواتنا بقيادة المقدم فياه ولد المعيوف في منطقة “تورين” خسرت خلالها الكثير من مقاتليها.
ثم جمع الولي فلول قواته وشن هجوما على مدينة أطار ثم تشيت وكان هدفه توسيع الجبهة للتأثير في معنويات الخصم.
وبعد اشتباكات مسلحة إنزاحت الوحدات الصحراوية نحو الجنوب، وخاضت سلسلة معارك ضارية على الطريق الرابط بين مدينة اكجوجت وانوكشوط واستطاعت ثلاث سيارات تابعة للبوليزايو يقودها الولي أن تتسلل عبر الدفعات الموريتانية وتدخل أطراف العاصمة في 8 يونيو1976 مطلقة عدة صواريخ على مباني القصر الرئاسي الموريتاني وعلى السفارتين الأمريكية والسوفيتية مما أثار الرعب في صفوف السكان وعندما وصلت الإمدادات من الشمال وأدرك الولي مصطفي السيد أن قواته أصبحت شبه محاصرة أعطى أوامره بالانسحاب، حيث طاردته عناصر من قوات الجيش الوطني بقيادة المقدم أحمد ولد بوسيف وقتلته عند بنشاب.
وفي محاولة للتأثير في معنويات الجيش الموريتاني عمد الصحراويون إلى مهاجمة مناطق متباعدة إذ بدأوا من مدينة الداخلة بالصحراء مرورا بأغلب مدن الشمال وصولا إلى انواكشوط في الغرب وتجگجة في الوسط وانتهاء بتامشكط في الجنوب الشرقي وباسكنو في أقصى شرق المنتبذ ودخلوا عبر الحدود الجزائرية وعبر الحدود المالية.

وكان من أشهر الهجومات في هذه المرحلة الهجوم على مدينة أزويرات 1977 وفي 3 من يونيو من نفس السنة نفذ مهاجمو البو ليزايو هجوما جريئا على العاصمة انواكشوط بواسطة وحدات كماندوز استطاعت التسلل إلى ضواحي العاصمة انواكشوط وتوجيه مدافعها إلى مباني القصر الرئاسي وحي السفارات وقد أعلنت الجبهة أن العملية كانت انتقاما لشهيدها الولي المصطفى السيد في الذكرى الأولى لوفاته.

أما آخر مراحل الحرب من سنة 1977 إلى النصف الأول من سنة 1978 فقد شهدت هذه المرحلة معارك ضارية بين القوات الموريتانية التي أصبحت في موقع الدفاع عن المرافق الاقتصادية والسيادية.

وعلى الرغم من أن نظام الرئيس ولد داداه كان من أكثر الأنظمة الحزبية في إفريقيا استقرارا إلا أن الحرب الطحون و تفاعل التناقضات الداخلية في صفوف حزب الشعب والتذمر بين صفوف الضباط من الحرب أظهر أن الوضع في اتجاه تحولات أصبحت وشيكة وكانت كل الإحتمالات مفتوحة.
رأت جماعة من الحلقة الضيقة حول المختار من ضمنها ولد محمد صالح وعبد العزيز صال أن تقول للمختار بأن يعمل لإيجاد حل مشرف يوقف من خلاله الحرب أولا وأن عليه ثانيا أن يبدأ فى التوجه نحو الديمقراطية وكان الوحيد القادر على مفاتحة المختار فى الأمر هوأقرب معاونيه ولد محمد صالح الذى كان مقررا أن يطرح عليه المبادرة فى اجتماع مكتب الحزب يوم 8 يوليو 1978 إلا أن الفرصة لم تتح له ففى نفس الإجتماع أبلغ أحمد ولد الزين المختار بخبر عن ولد ابنيجاره يقول المختار فى مذكراته : ” .. وخلال اجتماع المكتب السياسي الوطني المنعقد يوم السبت 8 من يوليو 1978 أطلعنى أحمد ولد الزين ، عضو تلك الهيئة، على فحوى حديث دار بينه وبين سيدى أحمد ولد ابنيجاره عشية اليوم السابق مؤداه أن انقلابا وشيكا قد تم الإعداد له بتمالؤ من كافة مسؤولى الجيش وقوات الأمن بما فى ذلك قائد الأركان الوطنية وقواد المناطق العسكرية وقائدا الدرك والحرس الوطني .. ”
ويروي بحام ولد محمد لغظف عن أحمد ولد الزين قوله أن ولد ابنيجاره أبلغه قبل أيام وانتظر يوم ويومين ثلاثة وحين لم يحدث شيئ أخبر المختار خوفا من فخ ينصبه له ولد ابنيجاره أو ” بن ” كما يلقبه أصدقاؤه .

في يوم الإثنين 10 يوليو 1978 أعلن العسكر عن تسلمهم مقاليد الحكم ، أعلن ذلك النقيب محمد محمود ولد الديه عبر الإذاعة بالفرنسية وأعلنها الصحفي خطري ولد جدو بالعربية : ” {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً } أيها الموريتانيون أيتها الموريتانيات يا شعبنا البطل لقد ولى عهد الرشوة والخيانة إلى غير رجعة .. ” .
كان ذلك البيان رقم واحد الأول فى المنتبذ القصي والبيانات تترى .
وهكذا استلمت ” اللجنة العسكرية للانقاذ الوطني السلطة – Comité militaire de redressement national ” وأعلنت عن حل مايسمى بالجمعية الوطنية والحزب وكافة الهيئات التابعة له وتتعهد بالعمل على تحقيق الأهداف التالية :
– الإخراج التدريجي للبلاد من حرب الصحراء
– إصلاح الحالة الاقتصادية المتردية .
– العمل على بناء مؤسسات ديمقراطية.
وفي ساعات الظهيرة الأولى للانقلاب أعلنت التشكيلة النهائية للقيادة العسكرية الجديدة والمؤلفة من سبعة عشرضابطا عسكريا، وتم اختيار العقيد المصطفى ولد محمد السالك رئيسا للجنة العسكرية للإنقاذ الوطني ورئيسا للجمهورية، و بذلك انتهت مرحلة هامة وحاسمة من التاريخ السياسي للدولة الموريتانية الحديثة.
و بدأت مرحلة أهم تتمثل في تسلم القوات المسلحة الموريتانية مقاليد الحكم .
وقفت سيارة جيب عسكرية أمام منزل ولد محمد صالح وترجل منها النقيب محمد محمود ولد الديه وسلم على ولد محمد صالح وطلب منه بأدب اصطحابه.

سجن ولد محمد صالح مع بقية وزراء ولد داداه
فى السادس من ابريل 1979 قام المقدم أحمد ولد بوسيف بانقلاب تصحيحي تم بموجبه تشكيل ” اللجنة عسكرية للخلاص الوطني – Comité militaire de salut national ” يرأسها صوريا ولد محمد السالك وكان رجلها القوي ورئيس حكومتها المقدم أحمد ولد بوسيف وكان أمينها الدائم المقدم محمد ولد اب ولد عبد القادر ، كان ولد بوسيف أحد أنصار نظام المختار وحين تولى السلطة قام بالإفراج عن قادة نظامه ومن ضمنهم ولد محمد صالح الذى كان المقدم كادير دائم الإجتماع به وكان ولد محمد صالح صديقا حميما لولد بوسيف ويصفه بالتلميذ المقرب وقد كان ولد بوسيف يريد إعادة موريتانيا حسب أنصاره للأسس الإصلاحية التى وضعها المختار ويرى خصومه أنه كان يريد التفرد بالسلطة والعودة بالبلد لحرب الصحراء خصوصا وأنه زار فرنسا والتقى جسكار ديستان ووزيره الأول ريمون بار وفى طريق عودته من فرنسا زار المغرب وقابل الملك الحسن وقابل فى فاس ولي العهد السعودي فهد بن عبد العزيز ومرعلى اسبانيا والتقى رئيس وزرائها.
كان ولد بوسيف فى طريقه لدخول محور : باريس – الرباط – دكار والمدعوم من الرياض.
وكان يشاع أن ولد بوسيف كان سيسلم السلطة للمدنيين وبالخصوص لولد محمد صالح يقول عنه ولد محمد صالح : ” لقد أطلق سراحنا وبدأ خطوات فى الإتجاه الصحيح لكن الموت عاجله “.
طموح ولد بوسيف لم يشأ له القدر أن يتحقق فبعد خمسين يومًا فقط من حكمه سقطت طائرته على سواحل دكار يوف ، كان حدثا مؤلما وفجائيا، و لا زال الغموض يكتنفه إلى اليوم .
بعد انقلاب 16 مارس 1981 الذى قاده العقيدان كادير وأحمد سالم ولد سيدي ورفاقهم والذين كانوا يريدون حسب ما يقال إرجاع الشرعية من خلال عودة الرئيس المختار واشرافه على تنظيم انتخابات رئاسية شفافة تعيد الحكم للمدنيين فشل انقلابهم واعدموا واعتقل كل من له صلة بهم ، وبطبيعة الحال اعتقل ولد محمد صالح لأنه كان صديقا لكادير.

اعتزل ولد محمد صالح السياسة وظل وفيا لرفيق دربه المختار لم يحمله كما فعل الغير مسؤولية أخطائهم بل تحمل الرجل مسؤولية كافة أخطائه ، ولم يستهوه حكم هيداله ولا معاوية ولا الفترة الانتقالية وفى دلالة ربما تكون رمزية أو حنينا للزمن الجميل دعم ولد محمد صالح زميله المرشح سيدي ولد الشيخ عبد الله 2007 فى الوقت الذى كان ابنه محمد محمود مديرا وطنيا لحملة المرشح احمد ولد داداه 2007.

تنقل ولد محمد صالح بعد اطلاق سراحه بين انواكشوط وشنقيط وأطار حيث يمتلك زرائب نخل وروصو حيث خاض مشاريع زراعة “مارو” فى شمامة.
عهدته قبل سنين يسكن فى داره جنب المسجد السعودي فى انواكشوط وكثيرا ما نشاهدة فى التلفزيون الوطني وهو فى الصف الأمامي إلى جانب الخديم ولد محمد فال ولد سيدي وبعض المواظبين على الصلاة فى ذلك المسجد.
ومرت مياه كثيرة تحت جسر الزمن وانقطعت عنى أخباره حفظه الله ..

عبد الله أحمد محمد

بالتصرف

كامل الود

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة وكالة الساطع الإخباري الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.